الباب الخامس: في القضاء والقدر
الجزء ١ · صفحة ١٦١ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الاكتساب بقوله: «من ثم قد نيل به..الخ» أي من أجل أن الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم قد نالوا به أعلى الرتب، وتفاوتوا في ذلك كل بحسب اجتهاده، ثم استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب النبوات، وصرح بأنها ليس مما يكتسب، لأنها من الأشياء التي يخص بها ربنا من يشاء، فيضعها حيث يشاء، من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها وتهيؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها بخلاف غيرها، فأما استدلالنا النقلي فقوله (تعالى): (وأسروا قولكم أو اجهروا به& إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق)(52 ) فدلت الآية أن جميع ما أسره العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، والله (تعالى) يقول: (ألا يعلم من خلق) أي كيف لا يعلم ذلك وهو قد خلقه، وهل يخلق من لا يعلم؟ وقوله (تعالى): (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله)( 53) وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وهو لم يخلقه ولم يدبره، وقوله (تعالى): (هو الذي يسيركم في البر والبحر)(54 ) وهو من فعلهم كما ترى، فأضافه إليه، وقوله (تعالى): (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)( 55) أي من قبل أن تخلقها، وقوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)(56 )، وقوله تعالى: (خالق كل شيء)(57 )، وأما استدلالنا العقلي فهو أنه لو كان العبد خالقاً لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين، ولكان كل من خلق شيئاً فهو إله ذلك الشيء فيلزم عليه تعدد الآلهة، وتعددها باطل قطعاً، لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على وجوب الوحدانية، ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم عليه فساد هذا العالم الذي بهر الخلق صنعه، لقوله (تعالى): (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)(58 ) ونحن نشاهد أن هذا العالم غير فاسد فصح أن الإله واحد، والله (تعالى) أعلم.