الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها
الجزء ١ · صفحة ١٩٦«الصغير» من الذنوب هو عكس الكبير، فيقال في تعريفه: هو الذي لم يثبت على فاعله حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، وأنكر بعضهم وجود الصغائر، ونسب هذا الإنكار إلى ابن عباس، فروي عنه أنه قال: »كل معصية يُعصى الله بها كبيرة«(6 ) وهذا الإنكار منه (رضي الله عنه) إنما هو إنكار لتسمية الصغيرة صغيرة لا إنكار لحجمها، فإن حكمها ثابت بنص الكتاب ليس لأحد رده، وبعض أصحابنا قال: بوجود الصغائر )وأنكر تعيينها في الخارج فمعه أنها موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عُينت لكان تعيينها(7 ) إغراء على ارتكابها من حيث أنها معفو عنها باجتناب الكبائر، وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق إلى أنها موجودة في الخارج، معلومة للبشر، ومثلوا لها بالكذب الخفيف، وبالرقص واللعب الغير مباح، وهذا معنى قول الناظم: «مثل الكذب إن خف..الخ» والمراد بالكذب الخفيف هو: الذي لم يبطل به حق، ولم يعطل به حكم، فإن ترتب عليه أحد هذين المذكورين فليس بالخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب، والمراد باللعب الغير مباح هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فإن ما كان منه مباحاً فليس بمعصية أصلاً، وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعرسه وولده الصغير وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الإباحة إلى حكم التحريم، بحسب النية، والله تعالى أعلم.
للصغائر من الذنوب أحكام كما أن لكبائرها أحكاماً أيضاً، فمن أحكام الصغائر ما هو مشترك بينها وبين الكبائر وهو كون الإصرار عليها كبيرة، فإن كون الإصرار كبيرة موجود في لصغائر والكبائر، ومن أحكامها ما هو مختص بها دون الكبائر، وسيأتي بيانه عند قول الناظم «والحكم للراكب ذنباً صغيرا.. البيت» فأما الإصرار على الصغيرة فإنه يصيّرها كبيرة من كبائر الذنوب لقوله (تعالى): (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)( 8) بعد قوله (تعالى): (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)( 9) الآية.