بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الرابع: في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

فإن قوله (تعالى): (ولم يصروا) معطوف على قوله: (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم)، أي: ذكروا عقاب الله فحملهم ذلك على طلب الغفران والإقلاع عن الذنب، وفعل ذلك واجب بعد فعل الفاحشة وبعد ظلم النفس، ووجوب ذلك قطعي لهذه الآية وغيرها، فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك، هذا تحرير الاستدلال بالآية، وفيه نظر لا يخفى على متأمل، ووجه ذلك النظر: أنه لو سُلم وجوب ترك الإصرار لما ذكر هاهنا، فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة، لأنه إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان، فالأحسن الرجوع إلى الاستدلال بالسنة وإجماع الأمة على أنهم لا يجتمعون على ضلال بنص الشارع على ذلك، فمن السنة الصريحة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «هل المصرون قدماً إلى النار»(10 ) وفي حديث: «لا صغيرة على إصرار، ولا كبيرة عند توبة واستغفار»( 11)، وهذه الأحاديث وإن كانت آحادية الإسناد فمعناها مستفيض في الأمة،وعليه أطبقت كلمة العلماء، فلا تجد لهم من يحلل الإصرار أصلاً ولا من يقول إن الإصرار صغيرة، والله أعلم.

هذا بيان حكم الكبائر من الذنوب، اعلم إن للكبائر أحكاماً منها ما يكون في الآخرة وهو الخلود في النار (والعياذ بالله)، وقد تقدم بيان هذا الحكم في باب الوعد والوعيد( 12)، ومنها ما يكون في الدنيا وهذا النوع ينقسم إلى قسمين، أحدهما ما يكون من العقوبات العاجلة على فاعل ذلك كالقطع في السرقة، والجلد والرجم في الزنا، والجلد في الخمر، ونحو ذلك، ومحل هذا القسم فن(13 ) الفقه فلا حاجة لذكره هنا، وأما القسم الثاني فهو ما يتعلق من أحكامها بالاعتقاد وهو المراد بقوله الناظم: «وراكب الكبير» البيتين، وحاصل ما فيهما.

أن العلماء اختلفوا في راكب الكبير من الذنوب على مذهبين:

١٩٧ / ٢٣٦