الموضوع: عام
الجزء ٣ · صفحة ٩٨الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات يذكّر الإنسان أولاً بنعمة خلقه إياه، فقد خلق البشر من عدم، وخلقه من أمر مهين جداً في منتهى المهانة، من خلية وهي المُعبّر عنها بالنطفة وهي من دقتها وحقارتها تنظر بالمجهر ولا تكاد تبصر، فهذه الخلية طوره الله سبحانه وتعالى بعد أنه خلقه منها طوراً بعد طور حتى كانت هذه ملايين الملايين من الخلايا التي هي في جسم الإنسان وهي متنوعة ولها وظائف متعددة بقدر حاجة الإنسان إليها، ثم إنه مع ذلك وجد بينها هذا الانسجام، ثم مع هذا وُجد أيضاً في الإنسان ذلكم السر الغيبي وهو نفخ الله تبارك وتعالى فيه من روحه بحيث تحول إلى كائن آخر فصار فيه الإحساس وصارت فيه المدارك، وبعد ذلك خرج إلى هذا الكون وأخذ يتدرج في مدارج الرقي شيئاً بعد شيء، حواسه الظاهرة والباطنة تنمو ومداركه تنمو وقواه تنمو فإذا به بشر سوي سميع بصير عليم قدير يتصرف بإرادة ويستطيع أن يُحكم الأمور التي يحتاج إلى إحكامها في حياته وهكذا.
هذا مما يدعوه إلى الاعتبار، ثم مع ذلك تطور هذا الإنسان طوراً بعد طور وأخذ ينتكس في أطواره الأخيرة (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْق) (يّس: من الآية68)، ثم يموت بعد ذلك ثم يقبر، ثم مع هذا كله أيضاً يُذكّر هذا الإنسان بنعمة الغذاء الذي يسره الله تعالى له، فالإنسان بحاجة إلى الغذاء، والغذاء هو ميسر للإنسان بقدر حاجة الجسد، فما كانت الحاجة إليه أدعى كان أكثر يسرا، نحن لا نستغني في جميع الأحوال عن الهواء في نومنا وفي يقظتنا في حركتنا وفي سكوننا في ذكرنا وفي غفلتنا، وجعل الله تعالى في هذه الأحوال هذا الهواء ميسراً يستنشقه الإنسان في نومه وفي يقظته في ذكره في غفلته في حركته وفي سكونه من غير أي عناء ومن غير أي ثمن.