الموضوع: القرآن الكريم والصيف
الجزء ٣ · صفحة ١٦١لذلك كان فراغ المسلم عندما يكون متمسكاً بإسلامه لا بد من أن يشغله بشيء، ولئن كان العمر كله بهذا القدر من القيمة الثمينة بحيث إنه جوهرة غالية إن إضاعها الإنسان لا يعوضها شيء فإن مرحلة الشباب بصفة خاصة مرحلة متميزة فلذلك كان عنه سؤال خاص كما جاء (وعن شبابه فيما أبلاه)، لأنه هو المرحلة الذهبية في هذا العمر، فالشباب هو تاج العمر وزينته وبهجته لأنه المرحلة التي تنضح بالفتوة وتتميز بالقوة، وهو المرحلة التي يمكن للإنسان فيها ما لا يمكنه فيما بعدها، وهو سرعان ما ينقضي إذ الشباب هو أشبه ما يكون بحلم يحمله الإنسان ثم بعد ذلك يستيقظ عليه وقد انتهى، هكذا شأن الشباب، وقد أجاد من قال:
شيئان ينقشعان أول وهلة … ظل الشباب وخلة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا … غصن الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه … فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
فإذاً الإنسان وهو في مرحلة شبابه عليه أن ينتهز هذه الفرصة، وأن لا يجعل هذه المرحلة فرصة للعب واللهو والمرح والاشتغال بالملذات والشهوات، وإنما عليه أن يجعل من شبابه فرصة ثمينة للعمل الذي يقربه إلى الله تبارك وتعالى زلفى.
ولا ريب أن كل عمل صالح وكل ما يمكن أن يصلح الإنسان في دنياه هذه أو في آخرته فإنه ينبني على العلم. ولذلك كانت هذه الرسالة رسالة علم. الله تبارك وتعالى أول ما خاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم قال له (اقْرَا) (العلق: من الآية1). لم يقل له أي كلمة أخرى. لم يخاطبه بالعبادة أولاً، لم يقل له اعبد أو أطع أو انقد أو أذعن أو نحو ذلك وإنما قال له (اقْرَا).