سؤال أهل الذكر (86 حلقة، مبوب) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الموضوع: حوار الحضارات

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٨

ونحن نجد في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حصل ما حصل من الاجتهاد، وتجدد هذا الاجتهاد في تلكم المرحلة التي عاشوها بسبب الانفتاح الذي حصل على العالم عندما توسعت الفتوحات الإسلامية، بل نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مع قربه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومع قربه من عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه كانت له اجتهادات قد تكون نوعاً ما تبدو اختلفت عن الواقع الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم والذي كان في عهد أبي بكر، ولكن هذا لا يعني أنه صادم ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا صادم ما كان في عهد أبي بكر إنما تلكم ظروف.

بل نجد أن عمر اجتهد في فهم النص اجتهاداً راعى فيه مقصد الشارع، فطبق النص تطبيقاً يتلاءم مع الظروف التي كانت تكتنف حياة الأمة الإسلامية في عهده، نجد ذلك واضحاً في سهم المؤلفة قلوبهم، هو لم يلغ النص قط، ولم يردّ حكم الله تعالى قط، وإنما طبق النص تطبيقاً يتواءم مع مقصد الشارع الحكيم. فإعطاء المؤلفة قلوبهم هذا السهم إنما هو لأجل كفاف شرهم واستدرار خيرهم في وقت كانت الأمة تحتاج إليهم، فلما قويت شوكة الأمة وأصبحت يحسب لها كل حساب إذ صارت تهز عروش الأكاسرة والقياصرة بفتوحاتها العظيمة لم يعد هنالك احتياج إلى أن تتألف قلوب هؤلاء المؤلفة بل صاروا مغمورين بهذه الكثرة المؤمنة وبهذا المد الإسلامي الواسع، فلم تعد هنالك حاجة إليهم وإنما كانت مصارف الزكاة الأخرى هي أحوج إلى هذا السهم.

فهو لم يلغ النص، ولا نقول بأن النص ملغى، نقول إلى الآن بأن هذا النص يطبق عندما تكون هنالك حاجة من الأمة إلى إعطاء المؤلفة قلوبهم سهماً من الزكاة فإنهم يعطون، أما عندما يكونون مستغنين بحيث يكون أبناء الأمة الأوفياء هم بمقدرة على أن يسوسوا أمرهم من غير احتياج إلى أولئك فإنه يستغنى عنهم ويصرف هذا السهم للمصارف الأخرى التي هي بحاجة إليه، فهكذا كان.

١٬٢٥٤ / ١٬٣٦٠