الموضوع: الإسراء والمعراج
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٢ثم إن النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما وجد المضايقة الشديدة في مكة المكرمة والتحدي عن أن تصل هذه الدعوة إلى الناس رغب أن يجد لها متنفساً فذهب إلى الطائف وإذا بالأمر يضيق به، وبأهل الطائف تشتد معارضتهم له صلى الله عليه وسلّم أكثر مما هو الحال في مكة المكرمة، وهذا ما جعل صدر النبي صلى الله عليه وسلّم يضيق من هذه المعاملة القاسية حتى دعا دعائه المشهور (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت رب كل شيء، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). فغمرته ألطاف الله سبحانه وتعالى ولقي من اللطف الرحماني ما أنساه هذه الصعاب التي واجهها والمشكلات التي كان ينوء بها، ففتح الله تبارك وتعالى له الآفاق، إذ أول الأمر عند رجوعه آمن به نفر من الجن وذلك الذي يشير إليه قول الله سبحانه وتعالى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ) (الأحقاف: من الآية29)، فكان ذلك إيذاناً بأن الإنس إن كانوا ضاقوا ذرعاً بهذه الدعوة التي تدعو إليها فإن الجن هم الذين يتقبلون هذه الدعوة.
ثم مع ذلك كانت تلكم الرحلة التي كان فيها إيذان بأن الله تبارك وتعالى فتح الكون لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم فإن ضاقت به جهة من الأرض فإن أرجاء الكون لن تضيق به، هذا مع ما أكرمه الله سبحانه وتعالى به من الاطلاع على آياته الكبرى في تلكم الرحلة العظيمة التي رحلها رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الملكوت الأعلى.