الموضوع: الإسراء والمعراج
الجزء ٣ · صفحة ٣٣١أولاً نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس رضي الله عنهما لا تصح. ولا يمكن لابن عباس أن يقول مثل ذلك الكلام السخيف. فابن عباس هو ترجمان القرآن، وهو حبر الأمة الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلّم ربه سبحانه وتعالى أن يعلمه التأويل وأن يفقهه في الدين.
فليس من المعقول أن ينحدر ابن عباس وهو بهذا القدر العظيم عند ربه سبحانه وتعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلّم إلى هذا المستوى السخيف حتى يكون يقص من الأنباء ما هو في مستوى الجهلة العوام الذين لا يفرقون بين الذئب والحمل ولا يفرقون بين التمرة والجمرة.
إنما ابن عباس هو أسمى من ذلك بكثير وكثير وكثير، فهو حبر هذه الأمة وترجمان كتاب ربها سبحانه وتعالى، فكيف ينحدر إلى هذا المستوى.
ثم مع ذلك الأمور يجب أن تعرض على الأدلة. والأدلة متنوعة منها ما هو عقلي، ومنها ما هو نقلي.
الله تبارك وتعالى منح عباده عقولاً، هذه العقول يمكنهم بها أن يميزوا بين الكثير مما يقال، بين صحيحه وفاسده، بين ثابته وغير الثابت، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل العقل هادياً إلى كثير من الحقائق. أنا لا أقول بأن العقل هو كل شيء وأنه يعتمد عليه في كل شيء، لأن العقل هو طاقة محدودة. ولكن بقدر ما أعطى الله تعالى عباده هذه الطاقة وجعلها محدودة، جعل فيها من القدرة على اكتناه كثير من الحقائق، ولذلك نجد أن الله سبحانه تعالى يبين أن هذه الآيات إنما هي لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون. فيُطلب من الإنسان أن يستعمل فكره، وأن يستعمل عقله في كثير من القضايا.
أما لو تصادم العقل مع الدليل القطعي من الكتاب أو السنة المتواترة فلا مجال هنا لجعل العقل يرد النص القطعي لأن هذا كلام لا يُقبل، في هذا المقام يُتهم العقل، ولكن بالنسبة إلى الروايات التي تأتي من الناس من غير أن تثبت العقل يرجع إليه فيها.