الموضوع: عام
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٢يعني بذلك أن الوجود بأسره كل ذرة من ذراته إنما يعرب بلسان حاله عن افتقاره إلى واجب الوجود لذاته، فكل ما في هذا الكون من ذراته الدقيقة إلى مجراته الواسعة إنما يعرب بلسان حاله عن افتقاره إلى واجب الوجود لذاته.
فالذرات الدقيقة في تراكيبها العجيبة توحي بأنه لا يمكن أن تكون وجدت هكذا إلا من قبل صانع خبير عليم بكل شيء، محيط بكل موجود في هذا الكون، ثم بعد ذلك ما زاد على تلك الذرة، فالعناصر والمركبات والجزئيات قبل ذلك، كلها في تناسقها وترابط بعضها مع بعض يدل على وجود الله سبحانه.
فإبراهيم أراه الله تعالى ملكوته في السماوات والأرض، وقد كان عليه السلام على مقربة من قوم يقدسون النار ويعبدون الأجرام السماوية، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجري على لسانه من دلائل الحق على أن هذه الكائنات التي يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى ليست هي من الألوهية في شيء، يقول الله سبحانه وتعالى فيما يحكيه عنه (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (الأنعام:76)، لما رأى الكوكب قال هذه الكلمة لا لأنه يعتقد أن الكوكب هو الإله، ولكنه أراد أن يقيم بذلك الحجة على هؤلاء بأن الكوكب يظهر ويختفي وما كان كذلك فليس هو بإله، لا يمكن للإله أن يكون بهذه الحالة، بحيث تعرض له العوارض وتمر به الحالات وتختلف معه الأعراض، بل الإله هو ثابت سبحانه وتعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: من الآية11)، (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:103).
فلذلك قال (لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) أي لا يمكن أن يكون هذا الآفل هو الإله، كيف ظهر أولاً ثم اختفى ثانياً، إختفاؤه دليل على أنه ليس بإله لأنه مرت به أحوال تدل على أنه تحول من حال إلى حال، فهذا التحول دليل على عدم ألوهيته.