الموضوع: عام
الجزء ٢ · صفحة ٢٦٩أما العمومات الشرعية التي هي مصدر الاستدلال الفقهي فإنها لا يكاد يسلم عموم منها من تخصيص فلذلك تخصص هذه العمومات بالأحاديث الآحادية، وتخصص بالقياس، وتخصص بمفهوم المخالفة، وتخصص بمخصصات كثيرة مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى بعدما ذكر ما ذكر من المحارم (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24)، فإن هذا عام وقد ورد تخصيصه في السنة النبوية بحيث جاءت السنة بالمنع من الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فلا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى، وكذلك جاء في الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلحاق كل ما يحرم مثله من النسب أي إلحاق العلاقات التي هي من الرضاع بعلاقات النسب في الحرمة مع أن القرآن الكريم ما ذكر إلا الأمهات والأخوات فقط، ولكن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم ألحق بذلك العلاقات التي يحرم مثلها من النسب إذ قال عليه أفضل الصلاة والسلام: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة. وقال: إنما الرضاع مثل النسب. فهذا من باب تخصيص عموم قوله تبارك وتعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: من الآية24)، وكذلك قال سبحانه وتعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) (النور: من الآية2)، ومع ذلك جاءت السنة النبوية لتخصص هذا العموم بحكم الرجم في الزاني المحصن إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة. وهذا مما هو واضح.
فاجتراء أي أحد على تضليل أحد بسبب مخالفته إياه في الرأي، ومسائل الرأي غير مسائل الدين، لأن مسائل الدين ما ثبتت الدلالة عليها بطريقة القطع، اجتراء الناس على تضليل بعضهم بعضاً في ذلك أمر فيه خطورة كبيرة لأنه تجنٍ على الدين وتجنٍ على الأمة وسعي بالفساد في الأرض لأنه يؤدي إلى القطيعة ما بين هذه الأمة التي فرض الله تبارك وتعالى عليها أن تكون أمة واحدة.