الموضوع: عام
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٧وهذه النية هي القصد، إذ الكلمات التي يقولها الإنسان بلسانه لا أثر لها في تكييف فعله وتحويل هذا الفعل إلى أن يكون فعلاً معتبراً معتداً به مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى، فقد يقول الإنسان الكثير بلسانه ويدعي الكثير ولكن مع ذلك لا جدوى لهذه الدعوى، وإنما العبرة بما في النوايا، ويؤكد ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. فهذا الذي هاجر إلى الله ورسوله لم يكن يقول بلسانه هجرتي إلى الله ورسوله، هجرتي إلى الله ورسوله، وإنما ذلك شيء في طوايا نفسه وفي أعماق ضميره، والله تعالى مطلع على ما اكتنفه ضميره وطوته نفسه. وكذلك الذي هاجر وهو في نفسه أن هجرته لأجل امرأة أو لأجل دنيا فإنه لم يكن يقول بلسانه أنا أهاجر لأجل أن أتزوج بفلانة، أو أنا أهاجر لأصيب من هذه الدنيا وإنما ذلك أمر في طويته، والله سبحانه وتعالى هو العالم بذلك فلذلك كان محاسباً بهذه النية التي نواها.
هذا كله يدلنا على أن التلفظ باللسان لا أثر له في النية ولا قيمة له، إنما النية هي القصد بالقلب، فمن نوى الصيام قُبِل صيامه، ومعنى نيته الصوم أن يعقد عزمه بقلبه أن يؤدي هذه الفريضة التي فرضها الله عليه بحيث يصبح وهو ممسك عن الطعام والشراب وقضاء الوطر من الشهوة الجنسية إلى أن يمسي ويدخل وقت المساء، كما يتجنب كل ما يؤدي به إلى إبطال صيامه من الإتيان بالغيبة والنميمة وسائر المفطرات العملية والقولية حتى لا يتأثر صيامه بأي مؤثر.