سؤال أهل الذكر (86 حلقة، مبوب) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الموضوع: الاعتكاف

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٨

فإنه من المعلوم أن الله تبارك وتعالى خلق هذا الإنسان متكوناً من روح وجسم، ولكل واحد من هذين الأمرين تطلعاته وضروراته وحاجاته، والروح دائماً تتطلع إلى المحيط الواسع وتستشرف الغيب، ولذلك خص الله تبارك وتعالى الذين يؤمنون بالغيب بما خصهم به إذ جعلهم من المهتدين، فإن الإيمان بالغيب نقطة الافتراق بين فريقين فريق ينحبس بين مضيق المادة ولا يخرج عنها، فلا ينظر إلى شيء إلا بمقياسه المادي، ولا يتطلع إلى ما وراء المادة، وهذا الفريق في حقيقة الأمر عمي عن الحقيقة، فإن وراء المشاهدات الحسية عوالم واسعة الآفاق، ووراء ذلك كله من هو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير وبكل شيء خبير، وبكل شيء بصير، الذي يصرف هذه الكائنات كما يشاء سبحانه، وهو الذي كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يُسأل عنه بأين، ولا ينظر إليه بعين، إنما هو تبارك وتعالى كما كان من قبل.

فالإنسان الذي يؤمن بالغيب يخرج من هذا المضيق، وينطلق مع الذين خرجوا من هذا المضيق إلى آفاق واسعة في العوالم الأخرى التي تحيط بهذا العالم المادي الذي يعيش فيه الإنسان، ويتجاوز ذلك إلى أن يكون مع خالق هذا الوجود كله، مع الذي هو بكل شيء بصير وعلى كل قدير، فالإنسان بحاجة إلى هذه الصلة، الصلة التي تربط روحه بالعوالم الأخرى والتي هي أيضاً في نفس الوقت تصله بمن هو محيط بكل عالم وهو الله تبارك وتعالى، ولأجل ذلك شُرعت العبادات، فكل عبادة من هذه العبادات لها أثرها الكبير في تنوير البصيرة وترويض النفس وفتح الآفاق الواسعة لهذه النفس حتى تخرج من هذا المضيق الذي تعيش فيه.

٨٣٤ / ١٬٣٦٠