الموضوع: عام
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٧فإن كلمة المبادئ إنما هي اصطلاح جديد لم يكن معهوداً من قبل في ما كتبه الكاتبون عن الإسلام من سلف هذه الأمة ومن الخلف الذي تقدم، وإنما هي كلمة معاصرة، ولعل هذه الكلمة دخلت من خلال ممارسات المصطلحات التي عند الأمم الأخرى وترجمت ترجمة دقيقة فيما يبدو، وهي من بدأ يبدأ والظاهر أنهم يعنون بذلك أن هذه منطلقات الإنسان في حياته، ومن المعلوم أن المسلم ينطلق من عقيدته، وعقيدة الإسلام تقوم على ستة أركان، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله.
والإيمان بهذه الأمور ليس أمراً نظرياً بحيث يعيش في عالم المثال ولا ينتقل إلى عالم التطبيق والواقع، وإنما هو إيمان راسخ في النفس ممتلك لمشاعرها، موجه لأحاسيسها، قائد لحركاتها، مصرف لأركان صاحبها وأعضائه. ومعنى هذا أن هذا الإيمان يجب أن يتجلى ويتجسد.
ذلك بأن الإيمان بالله إنما هو إيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق هذا الوجود وصرفه، والذي هو مالك لكل شيء، ومصرف لكل أحد، كل ما في الكون ملك له (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:93 - 95)، منه المبدأ وإليه المعاد، كل شيء إنما صدر عنه، فهو خالق كل شيء، وكل شيء منقلبه إليه، وهو الذي منّ على الإنسان بنعمه، وأسبغ عليه واسع كرمه، هو الذي أخرج هذا الإنسان من العدم إلى الوجود، وأفاض عليه هذه النعم التي لا يمكن أن تدخل تحت عد أو تصل إلى حد لأنها نعم لا يمكن للبشر جميعاً أن يحيطوا بها، وهو سبحانه وتعالى الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: من الآية8)، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19).