الموضوع: الحج وما بعد الحج
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٠فقد جعل الله تبارك وتعالى في لقائهم هذا ربطاً بين فئاتهم الموجودة في هذه الأرض على اختلاف أجناسها وجنسياتها، وعلى اختلاف ألسنتها وألوانها، وعلى اختلاف أحوالها وعاداتها، إذ يلتقون جميعاً هنالك وكلهم يتخلون عن الفوارق التي تفرق بين طائفة وأخرى من لغة أو عادة أو غيرهما، وليعلنوا بلسان واحد لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وفي هذا ما يشد بعضهم إلى بعض وما ينقي قلوبهم من جميع الأسباب التي تؤدي إلى التفرق والاختلاف فيما بينهم، ثم من ناحية أخرى في هذا ما يتيح لهم الفرصة لئن يتعارفوا وأن يتآلفوا، وأن يتدارسوا مشكلاتهم، وأن يتعاونوا على حلها، وأن يساعد بعضهم بعضا فيما يهمهم جميعا مجسدين في ذلك الوحدة الإيمانية التي تشد المؤمن إلى المؤمن كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ثم من ناحية أخرى في وفادتهم إلى الله تبارك وتعالى في تلكم العراص الطاهرة ما يشدهم إلى سلف هذه الأمة، إلى تاريخها العظيم، إلى تاريخ ميلاد هذه الأمة على يدي نبي الله صلوات الله وسلامه عليه عندما بعثه الله سبحانه وتعالى بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا فقام بالدعوة إلى الله سبحانه وسط ضجيج الجاهلية، ولم يبال بما كان يلقاه من تحدٍ وما كان يلقاه من عنت من قبل قومه الذين أخلدوا إلى الكفر وآثروا الباطل على الحق واستمرأوا المنكر فعافوا المعروف.