06سأذ 15 ذو الحجة 1423هـ - 16 فيفري 2003م صححت
الجزء ١ · صفحة ٦والصيام كذلك .. الصيام فيه أكثر مِن معنى يدعو إلى الوحدة ما بين عباد الله-تعالى-الصائمين، مِن ذلك نفس هذا الانتظام في تَنَاوُل الطعام بِحيث لا يكون أحد أَسْبَق إلى تَنَاوُلِه مِن الآخر، وإنَّما يَتَنَاوَلُونَه جَميعاً في وقت واحد .. يُفطرون جَميعاً في ساعة واحدة .. في لَحظة واحدة، كمَا يَكُفُّون عن الطعام في وقت واحد، وَيَشْرَعُون في الصيام في لَحظة وَاحِدَة، كل ذلك مِمَّا يُوَحِّد الأمة، فَضْلاً عما في الصيام مِن التَّرْبِية على الأخلاق التي يدل عليها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان يوم صَوْم أحدكُم فلا يَرفث ولا يَجْهَل فإن أحد سَابَّه أو قَاتَلَه فليقل إنِّي صائم )، فإنّ هذا أعظم خُلُق .. أسْمَى خُلُق يُرَبِّي عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هَذه الأمَّة، فالإنسان ليس مطلوباً منه أن يَكُفَّ أذاه عن الغير فحسب، بل المطلوب منه أن يَتَحَمَّل أذى الغير، وألاَّ يقابِل الإساءة بِمِثلِها، فإن تَعَامَل المؤمنون بِمثل هذه الأخلاق كان ذلك دَاعِيًا إلى الاتِّحاد.
والحج-أيضا-يَجمَع شَتِيتَ الأُمّة .. يَجمَع الوفود التِي تَأتِي مِن كل صَوْبٍ وحَدَب .. مِن مَشَارِقِ الأرض وَمَغَارِبِها وشَمَالِهَا وَجَنُوبِها لِيَلْتَقوا جميعا في صعيدٍ واحِد لا يُفرِّق بيْن هذا وَذَاك شيء .. إنَّما الكُل يَظهَر في مظهرٍ واحِد لا فَرْقَ بيْن القوي والضَّعيف، ولا بيْن الغني والفقير، ولا بيْن العربي والأعجمي، ولا بيْن القَاصِي والدَّانِي .. إنَّما الكل يَظْهَر في مظهرٍ واحد، ويُردِّدُون جميعا بِلسانٍ واحد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " .. هذا مِمَّا يَدعُو الأمّة إلى الاتِّحاد، ويَدعُو إلى إزالةِ الفَوَارِق بيْنهم وَكَسر الحواجِز التِّي تفصل بعضهم عن بعض.