11سأذ 2 ربيع الأول 1424هـ - 4 ماي 2003م صحح
الجزء ١ · صفحة ١٢ج: أما الصبغُ بِالسّوادِ فلا، لأنّ السوادَ فيه تَغرِير، وفيه معاكَسَة لِلحكمةِ الربانية، فإنّ الإنسان إنما يَتطَوّرُ مِن طَوْرٍ إلى طوْر لِيَكون في كلِّ ذلك تَذكِيرٌ لَه بِلِقاءِ الله سبحانه والانتقالِ مِن هذه الدنيا، ولِذلك جاءَ في الحديثِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صَحَّحَ هذا الحديثَ الحافِظ العِراقي-أنه قال: ( مَن خَضَبَ بِالسوادِ سَوَّدَ الله وجهَه يومَ القيامة )، و-على أيّ حال-الخضاب بِالسواد فيه معاكَسَة لِلفطرة .. معاكَسَة لِلحكمة الربانية، لأنّ الله-تعالى-جَعَلَ الإنسانَ يَتَطَوّر مِن طوْرٍ إلى طوْر وفي كلِّ طوْرٍ مِن هذه الأطوار تَذكِيرٌ لَه بِلِقاءِ الله - سبحانه وتعالى - ، فإنه لو بَقِيَ على حالٍ واحِدَة لكان ذلك دَاعِيا إلى غرورِه وزَهْوِه وعدمِ تَفكُّرِه في الانتقالِ مِن هذه الدار، وبِهذه المناسبة أَذكُر بعضَ الأبيات التي قالَها بعضُ الشعراءِ في هذا .. مِنها أنّ الشاعِر يَقول:
يا خاضِبَ الشيب بِالحناء تَستُره *** سَل الملِيكَ لَه سِتْرا مِن النار
لَن يَرحَلَ الشيب عن دارٍ أَلَمَّ بِها *** حتّى يُرَحَّل مِنها صاحبُ الدار
ويَقول آخَر:
قد كنت أجزع للبيضاء أبصرها *** من شعر رأسي وقد آذنتُ بالبلق
واليوم حين خضبت الشيب زايلني *** ما كنت ألتذ من عيشي ومن خلقي
شيب تغيبه عمن تغر به *** كبيعك الثوب مطوياً على خرق
فإن سترت مشيباً أو غررت به *** فليس عمر أكلناه بمسترق
أفنى الشباب الذي أفنيت جدته *** كر الجديدين من آت ومنطلق
ومِن خيْرِ ما قيل في ذلك قولُ الشاعِر الذي يُصَوِّر كيف تَكون حالة الذي يَخضِب الشيْب بِالسواد وإذا بِهذا الشيْب يَفضَحه بِحيثُ أُصولُ الشعر تَكون بيضاء مع أنّ سائِرَه أسْوَد فيَقول:
يُسَوَّد أعلاها ويَبْيَضُّ أَصلُها *** ولا خيْرَ في الأعلى إذا فَسَدَ الأصل