21سأذ 18 رمضان 1422هـ - 4 ديسمبر 2001م الاعتكاف-عام طبعت
الجزء ١ · صفحة ٥ج: أما القول الذي نأخذ به فهو أنّ أقلّ مدّة لِلاعتكاف يومٌ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظرا إلى أنّ الاعتكاف لابد فيه من الصيام-على القول الصحيح، وهو القول الذي نأخذ به، وقال به جماعة من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى-ولما كان لابد فيه من الصيام فأقلُّه وقتٌ يَكون فيه الإنسان صائما من أوّله إلى آخره، ومعنى ذلك أنه يكون صائما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهكذا يَكون الاعتكاف، فيَدخل معتكَفه قبل انشقاق الفجر ويَخرج من معتكَفه بعد غروب الشمس.(1)
(1) -" س4: هل يُشتَرط الصوم في الاعتكاف إذا كان في غير رمضان ؟
ج: اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
فذهب أكثر أصحابنا-رضوان الله تعالى عليهم-إلى أنّ الصيام شرط في صحّة الاعتكاف، واعتكاف مَن اعتكَف .. أي نوى أن يَعتكِف من غير صيام فإنّ ذلك باطل لا يصح؛ وهذا القول قالت به طائفة كبيرة-أيضا-من أصحاب المذاهب الأخرى، فهو مذهب الحنفية، وقال به-أيضا-الإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إلى ذلك ابن تيمية وابن القيم، وهو قول السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وإلى ذلك-أيضا-ذهب ابن عباس وابن عمر، وهو قول عروة والزهري، ونسبه ابن القيم إلى أكثر السلف.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك؛ وهو مذهب الشافعية، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وعليها جُلّ أصحابه.
وسبب هذا الخلاف أنه قد جاءت آثار متعدِّدة-بعضها منسوب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وبعضها إلى الصحابة-منها ما يَدلّ على اشتراط الصوم ومنها ما يَدلّ على عدم اشتراطه.
فمِن تلك الآثار التي تَدلّ على اشتراط الصوم ما جاء عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قال في حديث طويل أكتفي بالمراد منه: " ولا اعتكاف إلا بصوم " .. هذه الرواية رواها أبو داود والدارقطني والبيهقي ولكن في إسنادها عبد الرحمن بن إسحاق وهو وإن كان ثقة إلا أنه يُخطئ وقد خالفه أكثر الرواة فرَوَوْها موقوفة عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وذهب بعض العلماء إلى أنها موقوفة على عروة الراوي عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها.
إلا أنه لم يَنفرد بذلك، فقد جاء من طريق أخرى ولكنّ تلك الطريق التي رواها ابن شاذان في جزئه في إسنادها ابن جُرَيْج وهو مدلِّس مشهور ولم يصرح بالسماع .. نعم قد صرّح بالسماع من طريق أخرى ولكنّ تلك الطريق في إسنادها ضعيف وهو الحجّاج بن أرطأة فلا يُقبَل منه هذا التصريح من طريق ابن جُرَيْج حيث قال فيه: " أخبرني الزهري ".
وقد رواها-أيضا-الدارقطني من طريق عروة وسعيد بن المسيب عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وهذه الرواية لو صحّت لكانت موقوفة على السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، لأنّ عروة لم يَنفرد، أو كانت مرفوعة إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكن في إسنادها ابن جُرَيْج وقد علمتم ما فيه.
وجاءت-أيضا-من طريق أخرى ولكن في إسنادها عُبَيْد بن عبد الواحد وهو قد اختلط كما ذكر ذلك ابن المنادي وغيره، والراوي عنه لم يُعرَف هل سَمِعها منه قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط.
واحتجوا برواية أخرى-أيضا-عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-فيها أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال: " لا اعتكاف إلا بصوم "، ولكنّ هذه الرواية-أيضا-ليست بصحيحة، لأنها من طريق سفيان بن حسين وهو لا تَصح روايته إذا رواها عن الزهري وإن كانت بقية رواياته صحيحة، و-أيضا-في إسنادها سُوَيْد بن عبد العزيز وهو ضعيف، كما هو مشهور.
واحتجوا على ذلك-أيضا-بحديث فيه أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أمر عمر-رضي الله تعالى عنه-بالاعتكاف والصيام، حيث قال له: " اعتكف وصم " وهذه الرواية رواها أبو داود والدارقطني والبيهقي وابن عدي ولكنّ إسنادها-أيضا-لا يَصح، لأنها من طريق عبد الله بن بَدِيل وهو ضعيف مشهور، وإن وثّقه بعض العلماء فإنّ ذلك التوثيق ليس بصحيح على الرأي الصحيح الراجح.
وجاء-أيضا-من طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي أنّ عمر-رضي الله تعالى عنه-قال للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " نذرتُ أن أعتكف وأن أصوم " فقال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " فِ بِنَذْرِك " أو ما هذا معناه، وهذه الرواية ليست بصحيحة، لأنّ في إسنادها من هو يُدلِّس تدليس التسوية ومَن كان يُدلِّس هذا التدليس فلا يُقبَل إلا إذا صرّح بالسماع عند طائفة، والصحيح لا تُقبَل روايته ولو صرّح بالسماع، وفي إسنادها-أيضا-ضعيف آخر، فهذه الرواية ليست بصحيحة، ثم إنها لو كانت صحيحة لمَا كان فيها حجّة، وذلك لأنّ عمر قال: " نذرتُ أن أعتكف وأن أصوم " فهو قد نذر الاعتكاف والصيام معا.
فهذه الروايات-كما ترون-ليست بصحيحة.
والذين ذهبوا إلى عدم مشروعية الصوم-أيضا-احتجوا ببعض الروايات الضعيفة.
منها من طريق ابن عباس-رضي الله تعالى عنه وعن أبيه-ولكنّ تلك الرواية-أيضا-ليست بصحيحة، لأنّ في إسنادها مجهولا والمجهول ليس بِحجّة، وهذا المجهول هو عبد الله الرّملي، وقد وَهِمَ ابن الجوزي حيث قال: " إنّ الدارقطني قال: ' رفعها-أي هذه الرواية-السوسي ' قال: ' والسوسي ثقة ' "، والدارقطني لم يقل ذلك، وإنما قال: " انفرد-أو ما هذا معناه-بِرفعها هذا الشيخ " وهو يعني المجهول، لا الثقة.
واحتجوا-أيضا-برواية موقوفة عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب، والموقوف ليس بحجة، ومع ذلك فإنّ هذه الرواية لا تثبت عنهما، وذلك لأنها من طريق ضعيفة جدا .. في إسنادها مختلِط مشهور، وهذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها.
واحتجوا-أيضا-برواية مروية عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيها: " من اعتكف بين المغرب والعشاء … " إلى آخر الحديث، ولكنّ هذه الرواية ليست بصحيحة، فقد رواها ابن شاهين في " الترغيب " وفي إسنادها مجاهيل، ورواها أبو الوليد الصفّار وفي إسنادها إعضال والمعضَل ليس بحجة، فهذه الروايات-أيضا-ليست بحجة.
واحتجوا-أيضا-بأنّ عمر-رضي الله تعالى عنه-نذر أن يَعتكِف ليلة وأمره الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بالاعتكاف، وهذه الرواية ليست بِحجّة، وذلك لأنه جاء في بعض الروايات أنه نذر أن يَعتكِف ليلة، وفي بعضها: يوما، وفي بعضها: أن يَعتكِف، وقد جمع بعض العلماء-وهو جمع سائغ إذا صحّت هذه الروايات-بأنّ رواية من روى " يوما "-أي بليلته-ومن روى " أن يعتكف ليلة "-أي بيومها-فهذه الرواية-أيضا-ليست بِحجّة.
واحتجوا-أيضا-بأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قضى الاعتكاف في العشر الأُوَل من شوال ويوم العيد لا يُمكن أن يَصومه أحد لأنه محرَّم بِالإجماع، وهذا الاستدلال ليس بشيء، لأنّ الرواية ليست بنصٍّ في ذلك، فيوم العيد لم يَدخل في ذلك .. هذا هو الصواب.
والذي يظهر لنا أنه لابد من الصوم، وذلك لأنّ الله-تعالى-قد ذَكر الاعتكاف في آية الصوم وذلك يُوذِنُ بِشرطيته، والنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَعتكِف إلاّ وهو صائم، وقد وردت روايات عن السلف تَدلّ على ذلك، وهي وإن لم تكن حُجَجًا ولكن ليست بِأقلّ من أن يُستشهَد بها، فَفِعل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو الحجّة .. هذا ما يُمكن أن أقوله الآن باختصار شديد؛ والله-تعالى-أعلم. " الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 19 رمضان 1422هـ ( 5 ديسمبر 2001م ).