المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

وتلك الأفعال: نعم، وبئس وما وقع في معناهما

الجزء ١ · صفحة ٩٠

و كذلك لو قلت: نعم القائم في الدار أنت. وأنت تريد به واحداً على معنى الذي المخصوصة لم يجز؛ لما ذكرت لك من تعريف الجنس. فهذا تفسير ما يقع عليه من المعارف التي بالألف واللام.

و أما وقوعها على المضمر الذي يفسره ما بعده فهو قوله: نعم رجلاً أنت، وبئس في الدار رجلاً أنت، ونعم دابةً دابتك. فالمعنى في ذلك: أن في نعم مضمراً يفسره ما بعده وهو هذا المذكور المنصوب؛ لأن المبهمة من الأعداد وغيرها إنما يفسرها التبيين. كقولك: عندي عشرون رجلاً، وهو خير منك عبداً؛ لأنك لما قلت: عشرون أبهمت فلم يدر على أي شيءٍ هذا العدد وقع؟، فقلت: رجلاً ونحوه، لتبين نوع هذا العدد، وهو خير منك عبداً؛ لأنك إذا قلت: هو خير منك لم يدر فيم فضلته عليه؟، فإذا قلت: أباً، أو عبداً، أو نحوه فإنما تفضله في ذلك النوع. فكذلك نعم.

و الإضافة نحو قولك: هو أفضلهم عبداً، وعلى التمرة مثلها زبداً. فإن قال قائل: فهل يكون المضمر مقدماً؟. قيل: يكون ذاك إذا كان التفسير له لازماً. فمن ذلك قولك: إنه عبد الله منطلقٌ. وكان زيدٌ خيرٌ منك؛ لأن المعنى: إن الحديث أو إن الأمر عبد الله منطلقٌ، وكان الحديث زيد خير منك، ولهذا باب يفرد بتفسيره. قال الله عز وجل: " إنه من يأت ربه مجرماً " أي: إن الخبر.

و منها قولك في إعمال الأول والثاني: ضربوني، وضربت إخوتك؛ لأن الذي بعده من ذكره الأخوة يفسره فكذلك هذا. قال الله عز وجل: " بئس للظالمين بدلاً " وقال: " نعم العبد إنه أواب " ، لأنه ذكر قبل فكذلك جميع هذا.

و أما حبذا فإنما كانت في الأصل: حبذا الشيء؛ لأن ذا اسم مبهم يقع على كل شيءٍ. فإنما هو حب هذا، مثل قولك: كرم هذا. ثم جعلت حب وذا اسماً واحداً، فصار مبتدأ، ولزم طريقة واحدة على ما وصفت لك في نعم فتقول: حبذا عبد الله، وحبذا أمة الله.

و لا يجوز: حبذه؛ لأنهما جعلا اسماً واحداً في معنى المدح، فانتقلا عما كانا عليه قبل التسمية؛ كما يكون ذلك في الأمثال؛ نحو: أطري فإنك ناعلة ونحو الصيف ضيعت اللبن؛ لأن أصل المثل إنما كان لامرأة، فإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل. فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا.

فأما قولك: نعمت وبئست إذا عنيت المؤنث؛ فلأنهما فعلان لم يخرجا من باب الأفعال إلى التسمية؛ كما فعل بحب وذا وكأنهما على منهاج الأفعال.

و من قال: نعم المرأة وما أشبهه فلأنهما فعلان قد كثرا، وصارا في المدح والذم أصلاً؛ والحذف موجود في كل ما كثر استعمالهم إياه.

فأما ضرب جاريتك زيداً، وجاء أمتك، وقام هندٌ فغير جائز؛ لأن تأنيث هذا تأنيثٌ حقيقي. ولو كان من غير الحيوان لصلح وكان جيداً؛ نحو: هدم دارك، وعمر بلدتك؛ لأنه تأنيث لفظ لا حقيقة تحته، كما قال عز وجل: " و أخذ الذين ظلموا الصيحة " وقال: " فمن جاءه موعظةٌ من ربه " . وقال الشاعر:

لئيم يحك قفا مقرفٍ … لئيم مآثره قعدد

و قال الآخر:

بعيد الغزاة فما إن يزا … ل مضطمراً طرتاه طليحا

و أما:

لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ

فإنما جاز للضرورة في الشعر جوازاً حسناً. ولو كان مثله في الكلام لكان عند النحويين جائزاً على بعدٍ. وجوازه للتفرقة بين الاسم والفعل بكلام. فتقديرهم أن ذلك الكلام صار عوضاً عن علامة التأنيث؛ نحو: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، ونزل دارك ودار زيد جاريةٌ. والوجه ما ذكرت لك.

و من أولى الفعل مؤنثاً حقيقياً لم يجز عندي حذف علامة التأنيث فأما قوله:

فكان مجني دونً من كنت أتقي … ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر

فإنما أنث الشخوص على المعنى؛ لأنه قصد إلى النساء، وأبان ذلك بقوله: كاعبان ومعصر.

و مثل ذلك:

فإن كلاباً هذه عشر أبطنٍ … و أنت بريءٌ من قبائلها العشر

و قال الله عز وجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " والتقدير والله أعلم : فله عشر حسناتٍ أمثالها.

فيقول على هذا: هذه الدار نعمت البلد؛ لأنك إنما عنيت بالبلد داراً. وكذلك هذا البلد نعم الدار؛ لأنك إنما قصدت إلى البلد.

٩٠ / ٢٨٤