المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

العلة فيما وقع منه مختلفا

الجزء ١ · صفحة ٩٥

قيل له: لم يكن لهذا نظيرٌ فيما فرط من الأسماء كحضرموت وبعلبك، لا تجد اسمين جعلا اسماً واحداً مما أحدهما إعرابه كإعراب مسلمين وقد تقدم قولنا في هذا حيث ذكرنا اثني عشر.

فإذا صرت إلى العقد الذي بعد العشرين كان حاله فيما يجمع معه من العدد كحال عشرين وكذلك إعرابه، إلا أن اشتقاقه من الثلاثة؛ لأن التثليث أدنى العقود. وكذلك لما بعده إلى التسعين.

إذا صرت إلى العقد الذي بعدها كان له اسم خارج من هذه الأسماء، لأن محله محل الثلاثين مما قبلها، والأربعين مما قبلها، ونحو ذلك. ولم يشتق له من العشرة اسمٌ لئلا يلتبس بالعشرين، ولأن العقد حقه أن يكون فيما فرط من الأعداد خارجاً من اسم قبله، وأضفته لما بعده معرفةً كان أو نكرةً؛ كما كنت فاعلاً ذلك بالعقد الأول. وذلك قولك: مائة درهم ومائة الدرهم التي قد عرفت.

و لم يجز أن تقول: عشرون الدرهم، لأن درهماً بعد عشرين تمييز منفصل من العشرين، والمائة مضافة، والمضاف يكون معرفةً بما يضاف إليه.

فإذا أردت تعريف عشرين وما كان مثلها قلت: العشرون رجلاً، والثلاثون جاريةً؛ كما تقول: الضاربون زيداً؛ لأن ما بعد التنوين منفصل مما قبله.

و المائة اسم ليس التنوين له لازماً؛ لأن حال التنوين ليست حال النون، لأنك تقف على النون ولا تقف على التنوين؛ ولأن النون تثبت مع الألف واللام ولا يثبت التنوين معهما. تقول: المسلمون والصالحون، ولا تقول: المسلمٌ والصالحٌ، فتقف على التنوين. فكانت مائة في بابها كثلاثة في بابها. إلا أن الذي تضاف إليه مائة واحدٌ في معنى جمع، والذي يضاف إليه ثلاثة وما أشبهها جمع. تقول: ثلاثة دراهم، ومائة درهمٍ، والفصل بينهما ما يقع في الثلاثة إلى العشرة من أدنى العدد، وأن المائة كالعشرين ونحوها وإن كانت مضافة. وكذلك صار لفظها للمذكر والمؤنث على هيئة واحدة. تقول: مائة درهمٍ ومائة جاريةٍ، كما كان ذلك في العشرين ونحوها، ولم يكن هذا في خمسة عشر، وخمس عشرة؛ لأنهما مجموعان مما كان واقعاً لأدنى العدد.

فإن اضطر شاعر فنون، ونصب ما بعده لم يجز أن يقع إلا نكرة، لأنه تمييز، كما أنه إذا اضطر قال: ثلاثةٌ أثواباً. فمن ذلك قول الشاعر:

إذا عاش الفتى مائتين عاماً … فقد ذهب اللذاذة والفتاء

فإنما حسن هذا في المائتين وإن كان تثنية المائة؛ لأنه مما يلزمها النون. فقد رجع في اللفظ إلى حال العشرين وما أشبهها. ولكن المعنى يوجب فيه الإضافة.

فأما قولهم: ثلاثمائة وأربعمائة، واختيارهم إياه على مائتين ومئات فإنما ذلك قياسٌ على ما مضى؛ لأن الماضي من العدد هو الأصل، وما بعده فرعٌ. فقياس هذا قياس قولك: عشرون درهماً، وأحد وعشرون درهماً إلى قولك: تسعة وعشرون درهماً. فالدرهم مفرد، لأنك إذا قلت: ثلاثون وما بعدها إلى تسعين ثم جاوزته صرت إلى عقد ليس لفظه من لفظ ما قبله. فكذلك تقول: ثلاثمائة وأربعمائة؛ لأنك إذا جاوزت تسعمائة صرت إلى عقد يخالف لفظه لفظ ما قبله، وهو قولك: ألف، ثم تقول: ثلاثة آلاف؛ لأن العدد الذي بعده غير خارج منه.

تقول: عشرة آلاف؛ كما تقول: عشرة أثواب، وأحد عشر ألفاً؛ كما تقول: أحد عشر ثوباً إلى العقد الآخر. فلو كنت تقول: عشر مئين، وإحدى عشر مائة لوجب جمعها في التثليث وما بعده.

و إنما جاز أن تقول: ثلاث مئين وثلاث مئات من أجل أنه مضاف؛ فشبهته من جهة الإضافة لا غير بقولهم: ثلاثة أثوابٍ وثلاث جوارٍ. قال الشاعر:

ثلاث مئينٍ للملوك وفى بها … ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم

و قال الآخر:

ثلاث مئين قد مررن كواملا … و ها أنذا أرتجي مر أربع

فأما قولك: مائة درهم، ومائة جارية، وألف غلام، وألف جارية فلا يكون فيه غلا هذا؛ لأنه ليس بمنزلة ثلاثة وما بعدها إلى عشرة ولا ثلاث عشر؛ لأن الثلاث والثلاثة على مئين وقع، أو على ألوف، أو غير ذلك. ففيهن أقل العدد مما وقعن عليه.

و مجاز مائة وألف في أنه لا يكون لأدنى العدد مجاز أحد عشر درهماً فما فوق.

فأما قوله عز وجل: " و لبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين " فإنه على البدل لأنه لما قال: ثلاثمائة ثم ذكر السنين ليعلم ما ذلك العدد؟ و لو قال قائل: أقاموا سنين يا فتى، ثم قال: مئين أو ثلاثمائة لكان على البدل، ليبين: كم مقدار تلك السنين؟

٩٥ / ٢٨٤