مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

الملاحظة نفسها تنطبق على البيت الآتي، وقد تعوّد ابن شيخان على هذه الصّياغة:

فَهوَ الغَيْثُ الغَمَامُ المُرْتَجَى.:.:. وهوَ اللَّيْثُ الحُسَامُ الُمْنتَضَى (11).

تعاون التّقابل بين حالين، يكون عليهما السّلطان تيمور بن فيصل (ت 1383هـ/ 1963م)، حال الإحسان في السّلم، وحال البطش والقوّة في الحرب، والتّوازي بين كلمات شطري البيتين، وتكرار حروف معيّنة في بعض صيغها، تعاون كلّ ذلك على إيجاد إيقاع مطرب راقص، معبّر عمّا يجيش في حنايا الشّاعر نحو الممدوح. وما تلا هذه الأبيات كان على هذا المنوال من التّوازن والتّساوي في الكلمات، والتّوازي في الصّيغ وفي النّهايات، نهايات الأشطر:

صاحبُ الشّكرِ إذَا عَمَّ الرّجَا.:.:. صاحبُ الصّبرِ إذَا حُمَّ القَضَا

جامعُ الصّبرِ إذا احتَفَّ المَلاَ.:.:. واسعُ الصّدْرِ إذا ضَاقَ الفَضَا

صاحبُ الخَيْلِ إذَا اشْتَدّ المََدى.:.:. سَاكِبُ الخَيْرِ إذَا الخَيْرِ انْقَضَى

كذلك عمل التّقابل بين الأحوال التي يكون عليها المتحدّث عنهم، وتكريرُ حروف معيّنة، ذات علاقة بمشاعر الشّاعر … عمل هذا على إحداث إيقاع جميل، هادف إلى الإفصاح عن المكنون، كما في قول أبي مسلم الرّواحي:

صُعْبٌ شكَائِمُهُم، سُحْبٌ مكارِمُهم.:.:. إِنْ حاربُوا صَعُبُوا، أَوْ أَكْرَمُوا لانُوا

شُمٌّ إذا حَزَمُوا، نَارٌ إذَا عَزَمُوا.:.:. شُهْبٌ إذا رَجَمُوا، للفَضْلِ هَتَّانُ

لله مَا جَمَعُوا، لله ما تَرَكُوا.:.:. لله إنْ قَرُبُوا، لله إن بانُوا (12).

يلاحظ في أبيات ابن شيخان وأبي مسلم، بعض التّشابه في الصّفات التي خلعاها على الممدوحين، في أثناء العمد إلى المقابلة بين أحوالهم، والتّشابه برز أيضا في تكرير حروف معيّنة، كحروف الشّين والصّاد والرّاء …

قال أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي عن أمجاد عمان، في قصيد عنوانه " عمان المفاخر":

فَقَرَّتْ بِهِمْ عَيْنًا، وَطَالَتْ بِهِمْ يَدًا.:.:. وَتَاهَتْ بِهِمْ فَخْرًا، وَزَانَتْ بِهِمْ ذِكْرَا (13).

إنّ حسن التّقسيم أوجد موسيقى رتيبة داخل البيت، كانت ناتجة عن الإيقاع الجميل المطرب المعبّر. (قرّت عينا، طالت يدا، تاهت فخرا، زانت ذكرا).

قال ابن شيخان، وقد سباه التّفنّن في التّصوير، فاختار حسن التّقسيم، أو التّرصيع، كما يعبّر عنه القدماء شكلا لتركيبة نظمه:

وَما غُصْنُهَا إلاّ الْتَوَى، ومَا بَدْرُهَا.:.:. إلاّ انْزَوَى، ومَا طَيْرُهَا إلاّ انْهََوى (14).

يلاحظ في البيت التّقسيم، الذي انبنى على التّساوي في عدد الفقرات في الشّطرين، وعلى التّوازي بين هذه الفقرات في عدد الكلمات وصيغها، وعلى السّجع داخل البيت، ممّا ولّد نغما موسيقيّا، هو الإيقاع الذي أضفى على الصّورة جمالا وروعة وجلالا.

اللّوحة الآتيّة غنيّة بالمصادر، التي ولّدت الإيقاع الجميل، والذي بدوره ساعد على التّصوير، وعلى

١٠٠ / ٢٢١