الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
الجزء ١ · صفحة ٩٩لأنّ له علاقة بالتّوتّر الشّعوري. وفي هذا تبدو براعة الشّاعر. «والإيقاع مظهر عبقريّة الشّاعر، ومجال التّفوّق على الغير، واستقلال الشّخصيّة بالعمل الأدبي، فمن الممكن أن يتصرّف الشّاعر في الإيقاع، حيث يختار للصّورة الوقف المناسب لها، سواء كان سكونا أو حرف لين، حسب الغرض من الصّورة … » (7).
في قصيدة مدح بها ابن شيخان السّالمي (ت 1346هـ/ 1927م) السّلطان فيصل بن تركي (ت 1332هـ/ 1913م)، ركّز كثيرا على صيغ (مَفْعَل، الأَفِعَل، مُسْتَفْعِل، مُفَعَّل، مُفْتَعِل، فَعْلَة … ) أحدث من خلالها موسيقى ذات إيقاع رتيب، دفعته إليه رغبة في المبالغة في وصف الممدوح، واستجابة لدافع إيجاد موسيقى داخليّة، تساعد على ترجمة ما يعتمل بداخله، وتشدّ المتلقّي إليه:
سلطانُنَا (فيصلٌ) مَنْ صِيتُهُ.:.:. قَدْ سَارَ في المَشْرق والمَغْرِبِ
ملَكِ ٌعَظيمُ الحِلْمِ ذُو هَيْبَةٍ.:.:. يَغْدُو لَهَا الرِّئْبَالُ كالثّعْلَبِ
مُتَّسعُ المَجْلِسِ ذُو حَضَْرةٍ.:.:. تُبْدِي شَذَا الأَفْضَلِ وَالهَنْجَبِ
مَشَيّد المَجْدِ، لَهُ رِفْعَةٌ.:.:. حَكَتْ سَمَا (كِيوَانَ) بِالمَنْكِب
بَحْرُ العَطَا وَالفَضْلِ، ذو مِنَّةٍ.:.:. تَأْتِي عَلَى الأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ
مُسَدَّدُ السَّعْيِ مَليءُ الثَّنَا.:.:. مُسْتَحْسَنُ الطَّلْعَةِ وَالمَذْهَبِ
يَهْتَزُّ مُرْتَاحًا لِفَيْضِ النَّدَى.:.:. مِثْل اهْتِزَازِ الصَّارِمِ الأَقْصَبِ
تَقُولُ كَفّاهُ لِراجِي الغِنَى:.:.:. كَمْ لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ مَرْحَبِ
مُسْتَبْحِرُ الفِكْرَةِ غَوَّاصُهَا.:.:. مُسْتَخْرِجُ الحِكْمَةِ لَمْ تُثْقَبِ
مُسْتَيْقِظٌ حامِي حِيَاضِ الحِمَى.:.:. مُقْتَحِمُ الأَهْوَالِ وَالأَصْعَبِ (8).
قد يحدث الشّاعر الإيقاع في شعره؛ بإيجاد توازن وتوازٍ وتساوٍ بين فقرات تراكيبه التي يصوغها، وهو ما يساعد على إيجاد تقابل بينها، ويعين على توفير عمليّة التّماسك في نسيج الكتابة. قال ابن شيخان:
العَدْلُ بَاقٍ وَالعَزَائِمُ تَصْعَدُ.:.:. وَالبَغْيُ فَانٍ وَالصَّوَارِمُ تَشْهَدُ (9).
زيادة على التّرصيع الذي أسهم في إحداث الإيقاع، نلاحظ هذا التّوازي بين كلمات الشّطرين: العدل والبغي، باق وفان، العزائم والصّوارم، تشهد وتصعد.
في البيت الآتي نجد التّركيبة نفسها، والصّياغة ذاتها، قال الشّاعر نفسه:
فَأَسْبَلَ بَحْرًا دُونَهُ كُلُّ زَاخِرِ.:.:. وَأَقَبْلَ بَدْرًا دُونَهُ كُلُّ طَالِعِ (10).
فأسبل وأقبل، بحرا وبدرا، دونه وكلّ في الشّطرين، زاخر وطالع. الإيقاع أسهم فيه أيضا حروف مكرّرة في الكلمتين المتقابلتين: (الهمزة واللاّم) في الكلمتين (أقبل وأسبل) ، (الباء والرّاء) في الكلمتين (بحرا وبدرا)