الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
الجزء ١ · صفحة ١٠٢قَسَمًا بِخَالِقِكَ القَوِيّ القَادِرِ.:.:. مَا أَنْتَ إلاّ بَهْجَةٌ لِلنّاظِرِ (16).
تبدو في اللّوحة رغبة الشّاعر الملحّة على توليد معانٍ من حرف الرّاء، واشتقاق كلمات اعتمادا على الحرف نفسه، كما يَبْرُزُ شغفُه بالإيقاع الرّتيب، فأكثر من إيراد كلمات تشتمل على حرف الرّاء. يدلّ على ذلك عمده إلى إنهاء شطري كلّ بيت بحرف الرّاء.
إذا بحثنا عن أثر هذا الإيقاع في المعاني التي أراد الشّاعر تبليغها، لا نجد لذلك كبير أثر، لا نجد لحرف الرّاء الذي يتميّز بالجهر والتوسّط بين الشدّة والرّخاوة ويقترن بالذّلاقة []. إنّ هذه الأوصاف تسهم في إظهار الشدّة والطّلاقة في التّخفبف من هذه الشّدّة، عن طريق التّعبير عنها بذلاقة، أي تيسير إرسال الصّوت. فنحن لا نحسّ بأنّ الشّاعر يشعر بعسر أو بضيق يلجئه إلى اعتماد صوت (الرّاء) بهذه الكثافة، إلاّ الرّغبة في إيجاد إيقاع، يطمح ويطمع أن يساعده على إحداث موسيقى داخليّة في القصيدة. فالشّاعر في مقام مدح، في حالة انبساط وارتخاء. يبحث عن الأصوات التي تبعث على التّطريب كحروف الصّفير التي نجد لها حضورا في هذه الأبيات، مثل السّين والصّاد والزّاي.
الملاحظة نفسها تنطبق على أبيات لأبي سرور، وهو يتحدّث عن استمرار النّبوغ والتّفوّق؛ مسجّلاً أنّ عمان ما تزال بخير؛ لأنّها أرض ولود، فالعقم مقبور في أرضها؛ لأنّ المجد له من صلبه عقب:
مَزَارِعُ النّخْلِ لَوْ أَبْصَرْتَهَا انْقَرَضَْت.:.:. لَكِنْ نَوَاهَا سَيَكْسُو أَرْضَهَا الثَّمَرَا
مَا مَاتَ مَجْدٌ لَهُ مِنْ صًلْبِهِ عَقِبٌ.:.:. لَكِنَّما العُقْمُ لاَ دَانَاكَ قَدْ خَسِرَا
يَا دَارَ فَخْرِي إِنّ الخَيْرَ مَا كُفِرَتْ.:.:. فينَا أَيَاديهِ لَوْ تَحْتَ الثّرَى قُبِرَا (17).
نحسّ بالإيقاع المتولّد من تكرار حرف (الرّاء) لكنّنا لا نقرأ له أثرا في المعنى، أو نفهم له مغزى من إيراد كلمات اشتملت على هذا الصّوت، إذ أنّ الكلمات التي ساقها يبدو عليها التّكلّف، ولا تقدّم أيّ شيء لبناء صورة شعريّة.
قال أبو سرور أيضا:
لِلمَجْدِ هيّا بِنَا، بِالصّارِمِ الذّكَرِ.:.:. بِالَمَدْفَعِيّةِ، بِالصّارُوخِ بِالبَتْرِ
بالجدّ، بِالموْتِ، بِالإيمَانِ نَطْلُبُهَا.:.:. أَعْني المَعَاني، لا بِالنّوْمِ في السّحَرِ (18).
يعلّق الأستاذ سعيد بن سليمان العيسائي على هذه الأبيات قائلا: «فقد كرّر حرف (الباء) عشر مرّات، وحرف (الرّاء) رويّا خمس مرّات؛ ليضفي على القصيدة حالة إيقاعيّة، انسابت في عفويّة تلقائيّة، ليؤكّد على الحالة الشّعوريّة التي جسّدها (الباء) الذي تلازمه في صورته المعنويّة؛ باعتباره دالاّ على الاستعانة، حين استقرّ في ذهن الشّاعر واختزن في ذاكرته أنّ المعالي والمجد لا يتحقّقان إلاّ بملازمة ما ذكر، إذ جاء تكرار (الرّاء) حرف رويّ في القصيدة خمس مرّات ليمنحها نبرة إيقاعيّة معنويّة» (19).
يبقى هذا التّعليق وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة. بالفعل نحسّ بالإيقاع متولّدا من تكرار الحرفين