الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
الجزء ١ · صفحة ١٠٣(الباء والرّاء) وبالعفويّة والانسيابيّة والتّلقائيّة في إيرادها. لكنّنا لا نظفر من خلال ذلك بمعنى يعبّر عن الحالة الشّعورية التي مرّ بها الشّاعر، ولا نحسّ لهذا التّكرار دورا في العمليّة الإبداعيّة.
الشّاعر نفسه كتب مطوّلة عنوانها: «هذي عمان» لاحظنا عَمْدَهُ فيها إلى تكرير الحروف في كثير من أبيات القصيدة؛ قصدا إلى إحداث إيقاع رتيب فيها، يعين على استثارة المتلقّي، بجذبه لكي ينتبه إليه ويعي ما يقول، وأحيانا يطلق العنان لتداعي المعاني فتسوق الكلمات بعضها بعضا، مرصوفة بأصوات متكرّرة، كقوله وهو يصف الخروصيّين الذين لهم دور كبير في الحكم في عمان:
هُمْ أَسَّسُوا وَوَفَوْا، هُمْ أَلَّفُوا وَصَفَوا.:.:. هُمْ أَنْصَفُوا النّاسَ، بِالميثَاقِ مُوفُونَا (20).
نلاحظ تكرار حرف (الفاء) في البيت بشكل لافت للنّظر، وفي بقيّة الأبيات، من دون أن يبدو التّكلّف في هذا التّكرار، بل جاءت المعاني المولّدة منه بديعة معبّرة عن الأحوال التي كان عليها هؤلاء الحكّام، كما تروي كتب التّاريخ. زيادة على الإيقاع الجميل الذي أحدثه هذا التّكرار.
دأب الشّاعر العماني الكلاسيكي على توليد المعاني من الحروف المكرّرة في الكلمات المتجاورة، التي تستدعيها ظاهرة التّداعي والرّغبة في التّلاعب بالكلمات، والشّغف بإحداث الإيقاع، الذي يستجيب لطبيعة القصيدة التي تلقى وتسمع، على خلاف القصيدة التي تقرأ وتنشر. نمثّل لذلك بنماذج للشّاعر أبي مسلم البهلاني، نترك للقارئ التّعليق عليها:
زَمَان زَهتْ فِيهِ أَزَاهيرُ زَهْرَةِ.:.:. الشّبَابِ وَحبِّي لا يَعِزّ بِزَوْرَةِ
سَلامٌ عَلَى دَهْرٍ مَضَى بِسُلافَةِ السْـ.:.:. ـسُرُورِ، وَسَهْلاً بَعْدَ ذَاك بِشِدّةِ
طَبِيِبِي وَمَطْلُوبي وَطِبِّي وَطيبَتِي.:.:. وَمُعْتَمَدِي في الأَمْرِ سَاكِنُ طيبَتِي (21).
هُمْ وَسِعُوا الكَوْنَ حُلُومًا وَهُدًى.:.:. وَصَائِلاً وَنَائِلاً وَمُحْتَدَى
هُمْ أَمْجَدُوا وَأَنَجَدُوا وَأَوْجَدُوا.:.:. وَأَفْقَدُوا وَطَوّلُوا البَاعَ الوَزَى
هُمْ جَرَّدُوا وَشَرّدُوا وَطَرَّدُوا.:.:. وَأوْعَدُوا وَأَوْرَدُوا بَحْرَ الجَدَى (22).
قد ينشئ الشّاعر الإيقاع من تكرير كلمات على صيغة واحدة، استجابة لرغبة النّفس في التّنغيم والتّطريب، قال أبو مسلم البهلاني:
مجرِّس مضرّس ممارس.:.:. يَمْترِسُ الخَطْبَ إِذَا الخَطْبُ شَحَا
وقال:
إلى مَتَى نَهْطَع في طَاعَتِهِمْ.:.:. وَنتّقِي، وَلَيْتَهَا تُجْدِي التُّقَى
إلىَ مَتَى نَهْرَعُ في أَذْنَابِهِمْ.:.:. لا مُلْتَجَى، لا مُنْتَهَى، لا مُنْتَحَى (23).
زيادة على الإيقاع المتولّد من الكلمات المتماثلة في الصّيغة: (مجرّس، مضرّس، ممارس)، (ملتجى، منتهى، منتحى)، فإنّ الإتيان بجملتين متساويتين متوازيتين في التّركيب، وتكرير بعض الحروف، أسهم في إحداث الإيقاع: (إلى متى نهطع في طاعتهم، إلى متى نهرع في أذنابهم).