الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
الجزء ١ · صفحة ١٠٤وعلى صيغة (متفعّل) كتب ابن شيخان أبياتا يمدح بها السّلطان فيصل بن تركي، مترنّما بهذه الصّيغة، مكرّرا لها؛ لتحدث له إيقاعا تطربه أوّلا، وتربط المتلقّي به؛ فيتجاوب مع مشاعره:
مُتَفَرٌّد بِالحِلْمِ، لَ.:.:. كِنْ حلمُه مَعَهُ اقتدارْ
مُتَوَحّدٌ بالرّأي، لا.:.:. يُفْضِي إِلَى نَظَرِ الُمشَارْ
مُتَقَسِّم مَعْرُوفهُ.:.:. مُتَبِسِّمٌ وَقْتَ الكرَارْ
مُتَقَدِّمٌ في مَوْضِعٍ.:.:. مِنْهُ الشُّجَاعُ رَأَى الفِرَارْ
مُتَوَاضِعٌ للنّاسِ يَحْـ.:.:. نُو للصّغار وللكبارْ
مُتَفَرِّسٌ فِيهِم، فَلَمْ.:.:. تَحْجِبْهُ غَامِضَةُ اخْتِبَارْ (24).
أمّا عبد الله بن عليّ الخليلي (ت1421هـ/ 2000م) فيحدث في أبياته إيقاعا، بتكرير كلمات جاءت على صيغة واحدة. لكنّ ذلك أضرّ بالعمليّة الإبداعيّة، وأساء إلى الجانب المعنوي، إذ أبقى هذا التّناولُ الشّاعرَ في الوصف الخارجي، دون الولوج إلى الدّاخل؛ ليقدّم لنا حقيقة الشّخصِ المتحدّث عنه، ودون النّفاذ بنا إلى عالمه النّفسي؛ لنطّّلع على مشاعره، بمعنى: إنّ الإيقاع بقي في حدود الاستجابة الشّكليّة، وهي الرّغبة في إيجاد موسيقى داخليّة، تطرب، من دون أن تؤثّر في المعنى. قال وهو يتحدّث عن الأماكن المقدّسة في الحجاز، وما لها من مكانة ساميّة في نفوس المؤمنين، وما تحمله من معان ساميّة:
وَثَمَّ مَقَامَاتٌ يَلُوحُ بِهَا الخَفَا.:.:. لَهَا خلْفَ أَسْتَارِ الغِطَا مُشْرِقٌ سَانِي
خَلائِقُ رَحْمَنٍ، حَقَائِقُ رحْمَةٍ.:.:. رَقَائقُ آيَاتٍ، دَقائِقُ تِبْيَانِ
عَوَالِمُ تَوْحِيدٍ، مَعَالِمُ وَحَْدَةٍ.:.:. طَلاَئعُ قرَّاءٍ، مَطَالِعُ قُرْآنِ
لَفَائِفُ أَحْكَام، لَطَائِفُ حِكْمَةٍ.:.:. مَجَامِعُ إيقَانٍ، جَوَامِعُ إِيمَانِ
شَوَاهِدُ إِنْعَامٍ، مَشَاهِدُ نِعْمَةٍ.:.:. ظَوَاهِرُ أَلْوَاحٍ، مَظَاهِرُ أَلْوَانِ
مَحَاضِرُ تَنْزيهٍ، حَظَائرُ نُزْهَةٍ.:.:. فَضَائِلُ غَفَّارٍ، فَوَاضِلُ غُفْرَانِ
مَدَارِجُ إيصَال، مَعَارِجُ وَصْلَةٍ.:.:. فَوَائِدُ مَنَّانٍ، عَوَائِدُ حَنَّانِ (25).
ما يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث إيقاع مطرب ومرقص، اعتناؤه بتوليد المعاني من الكلمات المعتمدة في صنع نسيج تعبيره، ففي كلّ كلمة يأتي بها في كلّ شطر، إلاّ ويحاول أن يولّد منها معنى، بالتّغيير في ترتيب حروفها، وهو ما يسهم في إيجاد الإيقاع. زيادة على إنهاء الشّطر الأول بكلمات على صيغة واحدة (فعلة) (رحمة، وحدة، حكمة، نعمة، نزهة، وصلة) وقد تكرّرت بعض الحروف في هذه الكلمات عدّة مرّات: (الحاء) ثلاث مرّات. (الميم) ثلاث مرّات. (الواو) مرّتين …
كلّ ذلك أسهم في إحداث إيقاع عال جميل، أظهر مهارة الشّاعر في التّصرّف في فنون القول، غير