الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
الجزء ١ · صفحة ١٠٥أنّ هذا يبقى في مستوى الشّكل، من دون أن يتعدّى إلى الجانب المعنوي؛ لأنّ الرّغبة في توفير الموسيقى الدّاخليّة كانت مسيطرة على اهتمام الشّاعر، فكان ذلك على حساب المضمون.
أمّا تكرير المقاطع فظاهرة عامّة في الشّعر العماني الكلاسيكي، لا تخطئها عين القارئ؛ يكاد لا يخلو منها أيّ ديوان من الدّواوين. وهي ظاهرة تتلاءم مع القصيدة المسموعة، وتستجيب لطبيعة الشّعر عند هؤلاء الشّعراء، الذي يهدف أوّلا إلى أداء رسالة. هذه الأمانة تقتضي أحيانا التّأكيد والتّفصيل والتّوضيح … والتّكرار يساعد على أداء هذه المهمّة. لهذه الكثرة لم نأت بأمثلة لهذا الجانب.
يؤكّد ذلك شبّر بن شرف الموسوي: «وتغلب على قصائد هذا الاتّجاه طبيعة الإنشاد الخطابي، فتسيطر على قصائدهم النّبرة الحادّة من ناحيّة الموسيقى. وهي ظاهرة عامّة في الشّعر الكلاسيكي قديما وحديثا» (26).
من المجالات التي استغلّها الشّعراء في إحداث الإيقاع مجال القافيّة. إنّ دورها في بعث جوّ من الموسيقى كبير، ومهمّ في البناء الشّعري؛ نتيجة هذا الإيقاع المنتظم الرّتيب، الذي يتكرّر في فترات زمنيّة مناسبة، فيحدث فواصل موسيقيّة، تطرب السّامع، وينتشي بها، وهو نفسه يتوقّع تردّدها وتكرّرها، فيستعدّ لتلقّيها. كما أنّ للقافيّة ارتباطا بالمضمون الوارد في البيت الشّعري، يتمّم معناه، معنى ذلك: إنّ القافية تعدّ جزءا من البيت، لا ينفصل عنه.
القافيّة التي تؤدّي هذا الدّور يجب أن تنسجم مع التّجربة الشّعريّة والحالة النّفسيّة للفنّان، بحيث تكون له القدرة على التّصرّف فيها والتّكيّف مع الأشكال المختلفة والألوان المتباينة من الأساليب.
نحاول تقديم أمثلة لتعامل الشّعراء مع القافيّة موسيقيّا، بحسب المعطيات السّابقة.
أبو مسلم الرّواحي من الشّعراء الذين يحسنون التّصرّف مع القوافي، ويجيدون اختيار ما يتناسب مع موضوع القصيدة. فالنّونيّة التي كتبها بعد انتخاب الشّيخ سالم بن راشد (ت 1337هـ/ 1919م) إماما على عمان سنة 1331هـ/ 1913م، أثارت فيه شجونا وخواطر، غلب عليها طابع الحسرة والأسى على حاله، وعلى حال عمان؛ بسبب التّخلّف والتّخاذل والتّقاعس … وقد رأى في شخص الإمام فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووجد في المناسبة مجالا لتذكير النّاس بواجباتهم نحو وطنهم ودينهم. فأرسلها زفرات حرّى وآهات تترى، فاختار لقافية القصيدة حرفي الألف والنّون. وهما حرفان يستجيبان لمشاعر الشّاعر، ويرتبطان أشدّ الارتباط بمضمون القصيدة، زيادة على الإيقاع الرّتيب والمنسجم مع عواطف الشّاعر.
فحرف النوّن حرف جهري ذلقي، يتميّز بالغنّة، التي تحدث صوتا خاصّا، بتسرّب الهواء من الأنف من اللّثّة العليا، يجاور النّون ألف ممتدّة، تمدّد النّفس، الذي ترسله إلى الخارج، لتساعد الشّاعر على إخراج ما يحسّ به من كمد إلى خارج نفسه، فيتنفّس قليلا ممّا يضيق به صدره. هذا بالنّسبة له شخصًا له مشاعره يريد إطلاع المتلقّي عليها. أمَّا بالنّسبة للقارئ والمستمع، فهما يترنّمان بهذا