مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

الإيقاع، ويتجاوبان مع الشّاعر؛ بفضل هذه الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات المتناغمة.

يقول الدّكتور سمير هيكل: « … حيث وفّق في اختياره (أي أبو مسلم) لحرف الرّويّ ليكون الحرفَ الأخير، وليكون له موسيقى، فيها ذبذبات صوتيّة متناسبة مع نغمات الحرف الطّويل، ومن هنا كان أفضل هذه الحروف لموضوع القصيدة هو حرف النّون الذي يتردّد بأنفاس الأنف والحلق … ويبدو أنّ الشّاعر قد تنبّه إلى ما في الألف والنّون من تأثير موسيقي فوظّفهما التّوظيف المثالي في نونيّته» (27). بداية القصيدة كالآتي:

تِلْكَ البَوَارِقُ، حَاديهِنّ مِرْنانُ.:.:. فَما لِطَرْفِكَ يَا ذَا الشّجْوِ وَسْنَانُ

شَقَّتْ صَوَارِمُهَا الأَرْجَاءَ وَاهْتَزَعَتْ.:.:. تُزْجِي خَمِيسًا لَهُ في الجَوِّ مَيْدانُ

تَبَجَّسَتْ بِهَزِيمِ الوَدْقِ مُنْبَعِقًا.:.:. حَتَّى تَسَاوَتْ بِهِ أَكْمٌ وَقِيعَانُ (28).

على القافية المنتهية بهاء موصولة بياء السّكت، نظم الشّاعر ابن شيخان السّالمي قصيدة في مدح السّلطان فيصل بن تركي، جمع فيها بين الحسرة والفرحة. الأسى على البعد عن الممدوح، واستبطاء الوصول إليه، والابتهاج بالقرب منه والإعجاب بمحاسنه وأفضاله … الياء حرف لساني، صفته الجهر، والهاء حرف حلقي، صفته الهمس والخفوت. نسجّل في الانتهاء السّلاسة والسّهولة في النّطق، اللّذين وفّرهما تباعد المخرجين وتقابل الصّفتين؛ بحيث ينقطع النّفس مع (الياء) المجهورة لشدّة الحسرة التي أصابت القلب - ولو كانت متكلّفة، وكانت توطئة لتسجيل مشاعر المحبّة والغرام بالممدوح - ثمّ ينطلق مع (الهاء) المهموسة؛ حتّى لا يبقى في القلب كمد.

بهذا تكون النّهاية معبّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها، فتتكوّن رنّة، تنجذب إليها النّفس لتعي حقيقة ما يشعر به الشّاعر، سواء صدّقه فيما ذهب إليه أم لم يفعل ذلك، المهمّ إنّ الشّاعر قصد أن يحدث في نظمه إيقاعا، يوفّر له الموسيقى، التي تجمّل شعره. بداية القصيدة كالآتي:

أَمْلَى النّسيمُ على القٌلُوبِ الصّادِيَه.:.:. خَبَرَ الحِمَى سَحَرًا، فَأَضْحَتْ رَاوِيَه

وَتَمَايَلَتْ طَرَبًا غُصُونُ البَانِ إِذْ.:.:. فَهِمَتْ مَعَانيهِ، وَكَانَتْ خَافِيَه

وَتَلَطَّفَتْ أَحْشَاؤُنَا بِسُؤَالِهَا.:.:. إِيَّاهُ عَنْ ظَبْيَاتِهِ المُتَجَافيَه (29).

لاحظنا تأثّر الشّعراء بالفاصلة القرآنيّة في قوافيهم، فقد حاولوا استلهام القرآن في هذا المجال، وحرصوا على توفير الإيقاع في شعرهم بواسطة القافيّة، وربطه بمضمون القصائد. الشّواهد على هذا أكثر من أن تحصى.

الخلاصة:

الأمثلة على هذا الأسلوب في الكتابة كثيرة جدّا (أعني الإيقاع) لا يمكن التّطرّق إليها في هذه الدّراسة المحدودة. حسبنا تسجيل بروز هذه الظّاهرة في الشّعر المحافظ بشكل جيّد في نماذجه، تنويعا في مصادر الإيقاع، وتلوينا في مظاهره، واعتماده ركنا أساسا في الصّياغة والبناء. وربطا

١٠٦ / ٢٢١