مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٢

المتأجج.

أما أبو اليقظان (*) فقد كتب بعض المقالات (21) التي نحس فيها لونا خاصا من ألوان المعانات، والمكابد الأدبية، ومنها، مقالات الذكريات الإسلامية سواء مولده صلى الله عليه وسلم، أو هجرته، أو الحج … ومن ذلك قوله: «في أرض الحجاز القاحلة، في بطن مكة المكرمة، تنفس صباح الإنسانية المعذبة عن أبرك مولود، أعز كل موجود، وأسعد كل مجدود، تنفس صباح هذا اليوم عن غلام اهتزت له السماوات والأرض، وامتلأ به سمع الدنيا، وردد صداه فم العالم؛ طلع فجر هذا اليوم عن محمد صلى الله عليه وسلم فكان بهجة للإنسانية، ويوم العرب، ومهرجان قريش، وعرس بني هاشم وزفاف بني عبد المطلب … » (22).

فالمتأمل في المشهد السابق يحس بتفاعل الكاتب بالموقف، وابتعاده عن تقرير الحقائق، ولذا نستشف منه المشاعر الإنسانية الفياضة والعواطف الوهاجة، وهي تتدافع وفق دفقات الشعور وانسياب الأحاسيس نتيجة لإلحاح الكاتب، وتكراره للفظة تنفس «القرآنية» وما لها من ظلال ورؤى، وإيغال في عالم الإشراق بمدلولاتها الصوفية الحرة. إذ أنها توحي بالفجر، والنور وزوال الهم، وقدوم نهار المستضعفين وفجر المقهورين في أرض الجزائر، كما كان فجر مستضعفي الأمس، مما يعمق الرؤية، ويرفع اللفظة إلى الرمز الصوفي في تجلياته، ولذلك كانت رحلة أبي اليقظان إلى عالم المثل عالم البراءة، والطهارة، هاربا من واقعه المرير، بكل مصوغات التسامي الروحي في مثل هذه المواقف الاستثنائية، حين يكتوي أديب محترق بنار الاستعمار، والغربة في موطن النبي العربي المحرر الأول للإنسانية من عبودية الإنسان.

إضافة إلى ذلك نحس كيف «ينسجم الأسلوب مع مضمونه ويتنفس بأنفاسه، ويتحرك بتحركه الفني، فنحن في ذروته الفنية الجمالية .. نحن أمام الكلمة التي تعيش على مستوى الفنون الجميلة .. في إطارها الذاتي وحقائقها الرؤيوية» (23)

إن هذا الهاجس -الحرية- هو الذي جعل الكاتب يحدق في التاريخ، ويلقي ببصره بعيدا، فإذا به أمام قوافل الأنبياء وهي تتلاحق «مرت مواكب الأنبياء والرسل كالكواكب والأقمار، وقد استنارت منها البشرية في مراحل حياتها كما يستنير الساري في مراحله منها، وتخللتها فترات تقف بالإنسانية أحيانا كما تقف بالساري تلك الفترات التي تخللتها لمعان البروق!!!

ثم أعقبتها دياجير حالكة كانت على الإنسانية أشد ما تكبدته من الأهوال والأخطار منذ خلقها الله، وقد سفلت بها إلى أحط من حضيض الحيوانات في عموم بقاع الأرض، فكانت تجأر إلى بارئها، وتستغيث به مما حاق بها من إطباق الظلم» (24).

هكذا يرحل أبو اليقظان يستحث الخطى، ويترسم التاريخ البشري بكل شفافية وإيمان بحثا عن أسرار النبوة، بعاطفته، وخياله، وهواجسه، ولذلك لا يملك إلا أن يرسم الرسول صلى الله عليه

١١٢ / ٢٢١