مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٣

وسلم واقفا وصفوف الأنبياء تمر من بين يديه: «تتابعت صفوف الأنبياء والرسل أمام محمد صلى الله عليه وسلم كما تتابعت صفوف الجند وأمراؤها أمام مواكب الملك، فكان خاتم النبيين، وسيد المرسلين» (25).

فهذه الصورة متخيلة ناتجة مما وعته المخيلة، وما ارتسم فيها عبر الأيام من خلال دراسة السيرة، ولذلك كونت مشاعر الإعجاب، والحب، والشوق: «وفي وسط هذا الظلام الحالك، لاح من وراء الأفق شعاع النبوة، فبزغت شمس الرسالة المحمدية، فأضاءت الأكوان، وتشعشعت منها الأرجاء، فبعثت البشرية من جديد، وسرى ماء الحياة في كافة عروق الإنسانية» (26). إن أبا اليقظان تشي صوره عن انفعالاته: «ولا شك أن نفاذ الحس ليساعد على إطلاق الخيال، فهو غذاؤه وجناحه، يعمق الفكرة بأن ينور الإحساس بها فيشب بها الخيال، وتتداعى صور الحياة المتقاربة فيزيدها الحس نفاذا، وتتم بذلك الدورة، الحس يغذي الخيال، والخيال يغذي الحس» (27).

إن أبا اليقظان لا يقرر حقائق، ولا يمنطق ولا يحاجج، إنما هو يصور، ويرسم الصورة التي وعاها تاريخيا وتخيلها، ويصبو إليها في مثل ظروفه تلك، وظروف الاستعباد، ولذلك فهو يهفو إلى الحرية بكل ما فيها من بزوغ الشمس، والإضاءة، والتشعشع والبعث، والانبعاث، وسيران ماء الحياة، إنه البحث عن الحياة الإسلامية الحرة النبيلة الكريمة، حياة يتمناها من يعيش في ذل، ولذلك كان الموقف هنا، كالموقف «هنالك» إنه موقف المعانقة للحقيقة الربانية في عالم الاستبداد؛ لأن الواقع لم يسمح له بذلك، فعاشها فنيا (*)، ولذا فهو لا يعيش الواقع، ولا يقرر حقائق، فهو في حالة شعورية، حالة خواطر تنثال كما تنثال تلك الأفعال الاستشراقية متناسلة، متوالدة لتكون الصورة المثلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليوم مولده، ويروح الكاتب في تجليات صوفية قائلا: «في مثل هذا الشهر ربيع الأنوار عام الفيل سنة 571 طلع إلى العالم في ذلك اليوم فجران في آن واحد: فجر اليوم الذي لو لم يطلع لما قدر أحد غير الله أن يأتيه بضياء إلى يوم القيامة، وفجر الرسالة الذي لو لم يشرقه الله لما استطاع أن يرسل شعاعا منه إلى يوم القيامة؛ أضاء بالأول عالم الأجسام، وأضاء بالثاني عالم الأرواح فأصبح العالمَان منغمسين في بحرين من الأضواء بعدما كانا حقبة من الزمن غريقين في بحرين من الظلام» (28).

بهذا التصور الإسلامي تغدو السيرة النبوية خواطر وأشواقا إيمانية، وتطلعات روحية، وشعورا فياضا، وإعجابا منقطع النظير؛ لأن «الجمالية في العمل الأدبي ليست مسألة شعر أو نثر، إنما هي الرؤية الفنية المجسدة بأسلوب تشكيلي إيجابي يجلو رؤية المحتوى، وفنية المضمون وبقدر ما تتكاثف هذه الفنية محتوى وشكلا في عمل أدبي يقترب العمل بهذا القدر من دائرة الفنون الجميلة» (29).

١١٣ / ٢٢١