فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٤لهذا ابتعد أبو اليقظان عن المفهوم الفقهي الظاهري، وراح يستشرف الماضي، ويحلق في أجوائه بلغة جديدة ذات علاقات إيجابية، وليست لغة السقوط الذهني على الأشياء؛ لأن الخاطرة في النثر تقابل القصيدة الغنائية في الشعر، وتؤدي وظيفتها في عرض التجارب الشعورية التي تناسبها حين ينساب الكاتب مع أحاسيسه، وانفعالاته، وتجميع المشاعر المتناثرة حول هذه التجربة، والاهتداء إلى الصورة اللفظية التي تتفق بظلالها ومعانيها مع الجو النفسي، والشعور الذي يخالج الكاتب (30) فهذا التصور الانفعالي هو الذي جعل أبا اليقظان يتخيل وجود حقيقتين لوجود محمد صلى الله عليه وسلم، أو قل هو وجودان لحقيقته صلى الله عليه وسلم، حقيقة وجوده الظاهري، وحقيقة وجوده الباطني، أنه نور الأنوار، ومشكاة الحقائق، وأول الخلق، خلقه الله، ثم أفاض عليه بنوره، فظهر بعده آدم ثم انحدرت بقية الشجرة، وهذا ما يوضحه أبو اليقظان حين يوغل منسابا في تاريخ الإنسانية في خاطرته هذه «فتق به قلب الدنيا، فأخرجه رسولا إليها، وأسرجه بنوره، فأضاءها، وكان كمشكاة (*) فيها مصباح المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، أرسله إلى العالم وقد انعكس النور الإلهي في مرآة قلبه، فأشرقه بنوره، وأضاءه بدينه؛ فعاش وهو يمرح في بحرين من النور واليقين» (31).
إن أهم ما يلاحظ على الصورة السابقة هي الصورة النورانية لمحمد صلى الله عليه وسلم المستمدة من القرآن، من خلال توظيفه توظيفا استيعابيا إضافة إلى تأثر الكاتب ببعض الصوفية كالبُوصَيري (**) في مدائحه، وبخاصة في الهمزية الشهيرة، مما يجعل هذه الخواطر عاطفة إسلامية إنسانية سياسية تدل على عالمية التصوير، ولذلك يؤكد أبو اليقظان هذا التصور قائلا: «وإن يوما كان للعالم مطلعا لفجرين، ومنبعا لسعادتين، جدير بالعالم كله أن يحتفل بذكراه كلما تجدد عليه مرآه، وليس خاصا بصنف من البشر دون سواه، فهو شمس طلعت من السماء على الأرض فأنعشتها، وأحيت مواتها، وألبستها ثوبا من العمران جديدا» (32).
وتتوالى أنوار هذا اليوم على نفسه كالبروق في اتصالها في الليلة الظلماء، فإذا به في رحلة للتجلي لأن «المحبوب في حب الصوفي متعاليا لا يدرك، وكان مثل هذا الحب حافلا بالأفكار والمعاني والأذواق» (33). ولعل هذا ما جعل أبا اليقظان يرسم مآثر الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب عذب، رقيق، فتضافرت الصور والصيغ الشاعرية الأنيقة فإذا بنا أمام مشاهد تترى على الذهن، وتتابع وجدانيا مع حسن السبك، وبراعة التركيب مما يجعل المتلقي ينتشي ويعيش ذلك الواقع الوجداني بكل إيحاءاته، وظلال صوره ورؤاه، لأن أبا اليقظان كان في حالة روحية مشبعة بالخواطر والمشاعر، وبذلك فجر ما بداخله فأحدث إنزياحا في الفكر الديني الفقهي، فكان فنانا ذا إيمان قوي، ورؤية أدبية جميلة مما جعل الفن والدين في نثره يتناغمان، ولم يأبه بأولئك الذين يرون أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، لأنه انساق وراء عواطفه وذكرياته، وتعالى على كل الأفكار