مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٥

المسبقة المحرمة للموقف، فعاش حيث كان يصبو أن يعيش، وراح يدعو الخلق لأن يحتفلوا بمولد سيد الخلق، لأنه نور الله، وشمسه، فهو كما يشرق على الكل يجب على الكل أن يحكموا بشريعته «أرسله بنظام العالم ودستور الأمم، وقانون الإنسانية الأساسي في سائر نواحي الحياة، صالحا لجميع البقاع، ملائما لكل العصور، لا تقدر ولن تقدر برلمانات العالم، ـ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ـ أن تنقض حكما من تشريعه، أو تأتي بآية خير من آياته» (34).

إن أبا اليقظان في هذه الفقرة يقرر حقائق مما أسقطه في فخ النثرية والمباشرة، فهوى بخاطرته إلى الفكر السطحي الخالي من التصوير المجنح، وهذا بسبب تحكم الثقافة التقليدية في العنان حين يستيقظ الرقيب مما يزيل تلك اللمسة الغامضة التي كنا نراها سابقا ولكنه لا يلبث أن يحاول العودة إلى الخيال، والانسياق وراء العاطفة فيقول: «أخرجه من أشد العالم جدبا وأقساها تربة، وأشحها نبتا، فعلَّم الناس أن الشرف، والسؤدد والعزة، والفضيلة الحقة لا تنبت على حافات الأنهار والبحيرات، وبين المزارع والحقول، وإنما تنبت حيث البساطة، وسلامة الفطرة، وطهارة الطبيعة … » (35).

وعلى كل فإن العاطفة، والانسياق وراء المشاعر إحدى خصائص الخاطرة في الأدب الذاتي بخاصة، ومن أهم ما يفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة.

ومهما يكن فإن لأبي اليقظان فلتات شعورية في كثير من مقالاته الخاصة بالمولد النبوي الشريف؛ لأنه الفجر المنتظر في حسه بالجزائر، فإذا به في تلك اللحظات يلتجئ إلى الانسياح في ينابيع النور بلغة رقيقة، وشعور فياض، كما نجد عنده أحيانا سبحات حين يعجب بموقف من المواقف، ومن ذلك هذا الشعور الفياض المستدر للتأمل، والمستدعي للإعجاب، الذي هزه من خلال إحياء إبراهيم بيوض لسنة العيد فيقول أبو اليقظان: «قاموا للصلاة صفوفا متراصة، وهم بأزياء العيد البيض كالملائكة حافين (36) حول أمر ربهم، وأمر رسوله، ولا تسأل عما غمر، ومازج القلوب، وفاض على الجوارح هناك من السكينة والوقار والروعة، والجلال، فإن ذلك أدق وأجل عن متناول القلم» (37).

بهذا الشعور يصور الكاتب أحاسيسه؛ لأن مقال الخاطرة لا يقتضي حشد المعلومات، ومناقشة الفكرة من جميع الوجود لإقناع الناس، وإنما هي عبارة عن نقل خواطر وهواجس خطرت على ذهن الكاتب في فترة من الفترات، حول قضية من القضايا، أو موضوع من المواضيع أو إبداء ملاحظة "خاطرة"، ذاتية عفوية، حيث ترد بسيطة ثم تنمو وتكبر حتى تصير خاطرة كاملة أشبه ما تكون بالمقال الأدبي الإنشائي إزاء موقف خاص، أو تأثره بسبب مشهد ما» (38). وهو ما نراه في بعض انطباعات أبي اليقظان إذ تتعانق فيه العاطفة والخيال، ويلفها الخوف، ويتخللها الترقب بخاصة تلك القضايا الإسلامية والوطنية الكبرى، ومن ذلك مقالته الخاطرية التي عنونها بـ: «من

١١٥ / ٢٢١