مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٦

الجزائر إلى باريس» (39) حول المؤتمر الإسلامي (40) وسفر الممثلين الجزائريين إلى العاصمة الفرنسية: يقول أبو اليقظان: «بعد استفحال الظلم، وطيلة استمرار العسف على المسلمين الجزائريين، استفحلت في نفوسهم الآلام، وتراكمت في صدورهم الرغائب والآمال، ولهذا لا عجب -إذا كُسِّرت القيود، ورفعت الأغلال في عهد الكتلة الشعبية والجمهورية الديمقراطية- والمسألة هذه أن يكون سلكهم التواء وتعاريج ولا عجب أن يكون في صلب تلك الرغائب الغث والسمين، شأن المحبوس المكبوت حين تباغته تباشير الفرج وتفاجئه هزات الفرح دفعة واحدة، فإنه من شدة التأثر والانفعال النفسي، ومن شدة احتقان النفس بلواعج الآلام، ومن تدافع الآمال على جوانب الصدر تختلط أمامه الآلام الممِضَّة، بالآمال المنعشة فيقدِّم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، ويعظِّم ما حقه التصغير، ويصغِّر ما حقه التعظيم، ويقلِّل ما حقه التعظيم، ويكثِّر ما حقه التقليل، ويقلِّل ما حقه التكثير، ولا يعلم ماذا يقصد ولا ماذا يريد؟!!» (41).

تبدو -في هذا المقطع- الاعترافات جلية لأنها هواجس، وخواطر وليدة الشعور المصاحب بالأمل والقلق، والرجاء، والخوف، لأن الأديب المسلم مدرك لخطورة الموقف، وصعوبة المهمة الملقاة على أعناق الوفد وهي حالة انفعالية، ولذلك تكون مقالته بوحا بعيد الأغوار، بسيط التناول، تتعمق به التنمية الشعورية لأنه يفتح قلبه لأمته قائلا: «نحن لسنا -والحالة هذه- في حاجة إلى شرح هذه الخواطر فلها وقتها، وإبانها، وإنما نقصد من هذه كمال التنويه بهذا التصور الإسلامي الجزائري الجديد، وإلفات النظر، وتنيبه الهمم إلى اندفاعاته واتجاهاته» (42).

رغم هذه الاعترافات إلا أنه لا يستقر على حال، ولا يهدأ له بال إلا إذا حلق مع الوفد وسافر معه روحيا؛ لأن وساوسه تتدافع، وهواجسه تتلاحق، فلا يمكن أن يكف عن التحليق: «على بركة الله، وحسن عونه … امتطى متن البحر، وجهته باريس؛ الألم يدفعه، والأمل يقوده، آذان باريس مرهفة، وأعناق الجزائر مشرئبة، وأرواح المظلومين عليهم ترفف في حلهم وترحالهم؛ الموقف ـ والله ـ جلل، والمسؤولية خطيرة والمسألة ليست مسألة سياحة، ولكنها مسألة شعب، مسألة مستقبل، مسألة أجيال، فعسى الرؤساء والزعماء قد أدركوا هذا جيدا، فلا يخطئوا التقدير في تقرير المصير، وعسى الله أن يكلأهم برعايته وأن يحفهم بعزه ونصره، وأن يعززهم بتأييده، وتوفيقه … » (43).

هكذا تبدو مخاوف أبي اليقظان، ولذا كان جسمه في الجزائر وروحه ترافق السفينة إلى باريس، وترفرف على الجميع، وبذلك «تصبح الخاطرة عملا مثيرا للذهن، وممتعا في نفس الوقت نفسه، ففيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحِدَّة الشعور بالأشياء» (44)، ومن النثر القالب، والصياغة، وهنا يكمن الفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة، ولهذا نجد بعض المقاطع أشبه ما تكون بالشعر لأنها «شكل حر لا قالب له، ويعتمد تماما على حرية إحساس المقالي وعفويته ونجد

١١٦ / ٢٢١