فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٧هذا الشكل الحر في المقالات التي تغلب عليها العاطفة وتموج بتداعيات الوجدان، ولا شك أن نزعات العاطفة ونفثات الشعور لا يسهل إخضاعها لشكل محدد … » (45).
وهذا ما نراه لدى أبي اليقظان في بعض خواطره نحو الحج ومنها مقالته التي عنونها بـ: «ذكريات رائعة، وشعور فياض» (46). يقول فيها: «عدنا - والعود غير أحمد- من الحجاز مهبط الوحي، ومهوى الأفئدة، ومراح الأرواح؛ بقلوب كبيرة، ونفوس حزينة، وعيون تفيض عبرات، عدنا من أشرف البقاع، وأقدس الأودية، وأصفى الأجواء، من مقام إبراهيم، والبيت الحرام، ومأوى سيد الخلق وأشرف المرسلين، رجعنا بإيمان غامر، وشعور فيَّاض، ولوعة تتقد بها الأحشاء» (47). بهذه الهواجس ينقلنا أبو اليقظان من أرض الجزائر ليغرسنا في أرض الحجاز، بشعور فياض، وحس رقيق، لأن الموقف في ذهنه رهيب، والذكرى أعمق لأنها ذكريات الوحي، والتحرر، ومدينة السلام والأمن والعدالة، ولذلك يقدم إلينا وصفا لرحلته هذه كله نفثات، يقول: «فقد فاجأنا شعور غريب، غمر نفوسنا بأول نظرة رميناها على تلك الفجاج، وبأول خطوة خطوناها في تلك التربة الطاهرة؛ أحسسنا لأول مرة في حياتنا بعظمة الإسلام تدب في جسمنا وبخطرة تملأ نفوسنا روعة وجلالا حين علمنا أننا نزلنا أول تراب مس جلد نبينا العظيم، ونطأ أرضا وطئتها قدماه الشريفتان وننظر إلى مناظر اكتحلت بها عيناه الكريمتان، ونجول في شعاب أشرقت بطلعته الشريفة، ونستن بسنن سنها، ونقف مواقف وقفها، ونطوف مطافه حول أول بيت وضع للناس مباركا، وهدى للعالمين» (4).
إنه إحساس المؤمن المغلوب على أمره تحت وطأة الظلم والجبروت؛ إحساس المؤمن نحو أرض الرسالات، والأسرار، والذكريات، والانبعاث، والحلم الرباني الأبدي، والسياحة في ملكوت الله، ولذلك حمل في طياته دلالة مكثفة ذات أبعاد انفعالية أثيرية يقول: «تلك هي الذكريات الرائعة التي كانت ولا تزال مجال أفكارنا، ومسرح أرواحنا، ومتعة أنفسنا ولا تنفك تغمرنا بجلالها، أما المناظر التي تستفز المشاعر، وتأخذ بالألباب فهي هذه الأفواج من الخلائق الذين تسيل بهم بطحاء مكة، ويغص بهم المسجد الحرام، وتكتظ بهم عرفات ويفيض بهم المشعر الحرام، ويتماوج بهم منى، فلا ترى في هذه المواقف إلا لباس الإحرام على الأجسام، ورؤوسا حاسرة، وأشكالا من الخلائق مختلفي الألسنة والألوان، ولا تسمع إلا أصوات الملبين تشق أجواء الفضاء، وأدعية الذين ترتفع إلى عنان السماء، ونحيب المنتحبين تردده الأرجاء.!!» (48).
إنا أبا اليقظان وصاف ماهر، وتلك متطلبات الخاطرة، لأن «الوصف الحي … ينقل أحاسيس الكاتب، ومظاهر الطبيعة كما تتراءى في نفسه بصدق وأمانة، وإخلاص» (2) وتلك هي إسلامية الأدب وبخاصة حين يكون الكاتب أمام تيار متدفق من المعاني، والحقائق، والخواطر التي تسبح في ذهنه فيترجم بذلك عن وجدانه، وأحاسيسه بحسن الصياغة، ودقة التعبير وشمولية التصوير، ولذا