فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٨كانت خواطر أبي اليقظان حديثا للنفس المؤمنة تفيض بمكنوناتها في لحظات الأشواق والتوهج فتبدو الهواجس، وتلوح الآمال، وتفيض الآلام، وتنبعث الأحلام على صفحات أوراقه، فإذا «الشعور الذي طما على كل شعور، وغمره، وبعث فينا النخوة العربية، وروح العزة الإسلامية، والذي تسكن إليه النفس، وتجد فيه اطمئنانها وراحتها وبهجتها وسعادتها إلى ما شاكل هذه الأوصاف النادرة الحصول، فهو شعورنا منذ ألقت الباخرة مراسيها في ميناء جدة بأننا تحت راية خضراء تشع على رقعتها كلمة التوحيد يحميها سيف منصلت، ويسهر عليها العاهل العربي ملك المملكة العربية السعودية، شعرنا لأول مرة - وعسى أن لا يكون آخرها - براية دولة إسلامية ذات سيادة عظمى واستقلال مطلق، تخفق فوق رؤوسنا، وتقع عليها أنظارنا أينما التقينا وحيثما توجهنا» (49) وفي مثل هذه الذكريات يتساوق الكاتب بشعوره مع الذكرى التي استوقفته بأسلوب مكثف، وألفاظ مفعمة بالمشاعر، والرذاذ الانفعالي الذي يسبح في النص كاشفا فرحته التي تمزق جدار الظلم، وتفتت أجواء الظلام، وتبدد مخاوف النفس بشعور فياض وعفوية بريئة، وآلام جسام، ورؤية شمولية.
وهناك نوع آخر من الخواطر عند أبي اليقظان، هي خواطر وذكريات ثورية تمتد إلى عمق مرحلة الشباب والدراسة في تونس، وتعرفه على عبد العزيز الثعالبي، وتتلمذه على يديه سياسيا، ومن ذلك المقال التي عنونها ب: «زعيم شمال إفريقيا المنتظر» (50) يستقبل بها عبد العزيز الثعالبي بعد عودته من منفاه: «عاد الزعيم الجليل إلى وطنه -وبلاد الإسلام كلها وطنه - بعد أن قضى في الشرق نحو خمس عشرة سنة وهو يتنقل في عواصم الإسلام كالبدر في أبراجه!!! عاد وهو يحمل صدرا يسع بلاد الإسلام، وعواصم الشرق!!! عاد! … فكرا استنار من حكمة جمال الدين الأفغاني، وأشعة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وتجاريب عظماء الشرق، وأساطين الإسلام!!! عاد وهو يحمل نفسا تعتز بعظمة الإسلام، ومجد العرب وسيادة الشرق!! عاد وهو يحمل بين جنبيه تجاريب الشيوخ، وقوة الكهول، وطموح الشباب» (51).
نحس بانثيال العواطف والرؤى وتلاحق الصور من هذا التكرار التصاعدي لفعل «عاد» الذي يحمل الأمل، والرجاء، وشروق الفجر، وغروب الظلام؛ لأن الأمل أشرق في سريرة أبي اليقظان من خلال هذه العودة للرمز مما جعله يحلق في أجواء لا تلونها إلا المبادئ والقيم الإنسانية الخالدة؛ لأن الأدب … تعبير موح عن قيم حية، ينفعل بها ضمير الفنان … لذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون … لأن هذا قائم في نفسه .. وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره، ويلون تأثراته بهذه القيم» (52).
ولذا انثالت عواطف الكاتب، وتوالت أحاسيسه بإيقاع تصاعدي، وتصور مبالغ فيه، وتلك إحدى خصائص الخواطر لأن الفنان لا يخضع إلا للأطياف، والرؤى ولغة المشاعر يرسلها كالجذوة