فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٩ملتهبة شوقا، وحنينا وبخاصة حين تكون الذكرى تُدَوِّي بقوتها في نفسه، كما هي في ذهن أبي اليقظان وهو يستقبل شيخه وأستاذه، ومعلمه الإسلامي الذي رباه وغرس فيه هذه النار المتأججة.
ومهما يكن فإن أبا اليقظان في بعض مقالاته الخاطرية يعانق عنان الأمنيات بالحنين، ويرفرف بروحه في فضاءات واسعة، وآفاق رحبة، ومن ذلك قوله مضيفا في استقبال الثعالبي: «وليس ببدع أن يهتز لعودته الشمال الإفريقي أجمع من أقصاه إلى أقصاه، وأن تتيه "تونس" بعزيزها، وتلبس حلل الزينة الفاخرة بمقدمه الكريم، وتمشي في مواكبه الفخمة عشرات الآلاف من الشباب والكهول والشيوخ، وليس ببدع أن تهتف أسلاك التلفون، وتنبض عروق البرق، ويركض بريد البر، والبحر والجو، وتتحلى صدور الصحف والمجلات، وتهتز أعواد المنابر احتفاء بمقدم الزعيم الجليل الأستاذ الثعالبي» (53).
فهذه المبالغة ضرورية في مثل هذه التداعيات الحرة لأن أبا اليقظان كان مؤرقا بليل الاستعمار مُجهَدًا بدائه، فمن البدهي أن يكون الثعالبي هو المنقذ الإسلامي الذي كان ينتظره، والضالة التي افتقدها منذ سنوات، ولذلك يضيف أبو اليقظان قائلا: «قضيتم خمس عشرة سنة وأنتم تنتقلون بين أطباق المحن، وآلام العباد صامدين لكل ما يعترض أمامكم من العقبات بقوة الفولاذ، وقضى الشمال الإفريقي هذه الفترة وهو يتقلب بين جمرات العسف، والجبروت كالشحمة في المقلاة، ويتمايل بين أمواج الحوادث فيطفو تارة، ويرسب أخرى، فها أنتم أولاء قد عدتم إليه، وها هو ذا قد قام إليكم يستصرخ ويستغيث ويناديكم أن أفيضوا (*) علينا من الماء أو ومما رزقكم الله» (54).
هكذا تحوِّل العواطفُ المنفعلةُ المواقفَ، فيغالي الأديب إلى حد أن يصبح الثعالبي، وكأنه من أهل الجنة، والشعب من أهل الجحيم، يحترق ولا يرجو من الثعالبي إلا أن يفيض عليه بشيء من الماء لإطفاء حريقه وظمئه، وهذا هو طابع الخواطر الذكرياتية، حين تمتدُّ الأحاسيس صورًا إنسانية تشع عليها أضواؤها العجيبة لأن أرض الخواطر «أرض الفنية الجمالية الخصبة بالدرجة الأولى، وسماؤها سماء الانطلاق الشعري الصافي، … وهذا النوع الوجداني ممكن في قالب الشعر، وممكن في قالب النثر على حد سواء، وعليه فالفنية الشعرية لم تعد رهنا بالوزن والقافية، بل رهن الموقف الذي يقفه الأديب الشاعر من الأشياء، وبرؤيته لهذه الأشياء، أهي رؤية ذاتية داخلية وبالتالي فنية؟ أم هي رؤية موضوعية تقريرية وبالتالي فكرية أو علمية؟» (55). هذا الذي جعل أبا اليقظان يكتب عن أستاذه بكل انفعالية ومبالغة لأن ينابيع الإبداع لا تكتسي خلودا إلا إذا كانت منبثقة عن تلك المبالغة الروحية التي تعانق سرمدية الوجود.
ومن أهم مقالاته الخاطرية تلك المقالات التي اتخذ فيها أبو اليقظان الموت منطلقا لعواطفه، واستكناه الحياة، وأسرار الفناء، يقول: «لم يخشع البشر أجمعون لقوة في الدنيا خشوعهم للموت،