مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

ولم يرهبوا موقفا من مواقف الحياة رهبتهم لجلال الموت، وموقفه الرهيب، يختلف الناس في الأديان والمذاهب والثقافات، وفي سائر منازع الحياة، ويختلفون كذلك في مصير الإنسان فيما بعد الموت ولكنهم يتفقون جميعا على جلال الموت ويستسلمون أمام موقفه الرهيب» (56).

فهذا النوع من المقالات الخاطرية التأملية «تعتمد على تأمل المقالي لمشكلات الحياة، وتتبعه لمجريات حوادثها وهي تنمي هذا التأمل بالوصول إلى نتائج مبنية على تحليل المقال لهذه المشكلات وتتعرض - عادة - لموضوعات الحياة والموت والوجود والعدم … » (57) وهذا النوع يقوم على تصوير ما يقع تحت حس الكاتب وبصره في العوالم المحيطة به حيث يثير في الإنسان مشاعر الحزن، ويعبر عن أحاسيسه تعبيرا صادقا، فهو أعمق وجدانا وأصدق حسا؛ لأن هذا اللون نبضة حية من نبضات الحزن والألم على فراق عزيز، ودمعة صادقة من دموع الوفاء لرحيله ولذلك تكون بكائية حزينة، ومعزوفة شجية تتميز بالألفاظ الرقيقة الشفافة ذات الظلال القاتمة الحزينة (58)، ومثل هذه المواقف الإنسانية يمكن أن نطلق عليها "المقالة التأبينية" والتي تعتبر «حلم القلة القليلة من عظماء البشر الذين تغريهم ولا تقنعهم كل هبات الواقع، إن نفوسهم تطمح إلى ما هو أعمق، وأعظم إلى شيء يكسب الحياة معناها الأسمى والأجل هناك على الطرف الأقصى من العالم حيث ينابيع الخلق والنور المقدس الأبدي والذي بعناية يكتسي الفاني خلودا والعدم وجودا، هناك في الأباعد حيث يعانق الموت الحياة» (59).

ولذا يرى أبو اليقظان في خاطرته هذه أن الموت سبب من أسباب التوحيد ولا عجب في هذا «فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية، وتوكيد الصلة بين الخالق والمخلوق أو بين مفردات هذا الوجود (60)»، ولذلك نرى أبا اليقظان يكرر هذا الموقف إذ يقول على جنازة أحد الأعيان: «فقد كان لروعته وجلاله - الموت - ما جمع حوله قلوب أمة موسى وأمة عيسى، وأمة محمد، وما ألف إزاءه بين قلوب ساكني ميزاب إباضيتها، ومالكيتها، وجعلها كتلة واحدة تحس بإحساس واحد، وتشعر بشعور واحد، ولو لم يكن للموت من النتائج الكبيرة إلا هذه لكفاه عظمة وجلالا، فقد بلغ من توحيد العناصر وتأليف النفوس، والتحام القلوب، وما عجز عنه الحكماء النطاسيون فهل من متعظ؟ وهل من مدكر وهل من مستفيد؟» (61).

هذه هي الصورة الإنسانية كما رآها أبو اليقظان أمام جلال الموت حين يتخلص الإنسان من ترابيته، وتذوب فيه الأنانية، وتغيب المسائل الاختلافية، فإذا الجميع ملتحم أمام جلال الموت ورهبته، دون اعتبار لأجناسهم ومذاهبهم، وهذا من الأدب الإسلامي، لأن الموت: «يمتد صداه العظيم، ويتغلغل في لفائف القلوب المتحجرة فيفعل فيها أفاعيل "الديناميت" في الجلاميد الصلدة، وتتلاشى أمامه الكبرياء، والغطرسة، والجبروت، وتذهب إزاءه سائر الفروق التي ألبست فطرة

١٢٠ / ٢٢١