من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١٣الذي سمَّاه القرآن الكريم "سنَّة التدافع"، فقال جلَّ من قائل: ﴿وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ﴾ (سورة البقرة: 251) وفي آية أخرى: ﴿وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (سورة الحج: 40) …
الهجمات النووية … (إلى الشيخ أبي اليقظان):
وهذا أنموذج آخر لروح المواجهة، برز في مراسلة بعث بها الشيخ حمُّو فخَّار إلى أستاذه ومرشده، العلامة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، جاء فيها:
«أستاذي الكريم، لا شيء يُذكر، فالأهداف هي نفس الأهداف، فلتوالُوا الهجمات النووية، فنصر الله قريب، وهزيمة القوم الظالمين قاب قوسين أو أدنى. شاهت الوجوه، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين.
وتفضلوا بقبول أحر دعواتنا لكم ولنا بالعون والتوفيق. وإلى لقاء آخر. ابنكم البار، فخَّار حمُّو بن عمر».
وممَّا يلاحظه القارئ استعمال الشيخ لمصطلح الأهداف، على أنها هي محلُّ الاختلاف، فإن اتفقت الأهداف بين إنسان وآخر، وبين جماعة وأخرى، كان الجميع في صيغة وفاق واتساق، أما إذا تباينت الأهداف فهي الدليل على أنَّ الاختلاف بات ضرورة، وذلك ما رمزنا إليه في كتاب «فيكوس» " veecOs" بالحرف " O"، ولقد أثبتنا علميا أنَّ الرؤى vision (v)، والجهود effort(e)، وطرق التقييم evaluation (e)، والاتصال communication (c)، والنظام system (s) … كلُّها متغيرات، وليست باعثًا من بواعث الاختلاف، وإنما الواجب أن تكون متباينة متكاملة، أمَّا إذا كانت الأهداف غير متوافقة، فهنا وجب الحسم: إمَّا أن توحَّد بعمل علميٍّ شاقٍّ، وإمَّا أن يفترق الجمعان …
وهذا ما طبَّقه الشيخ رحمه الله في جميع أطوار صراعاته ومواجهاته، فنجده يحترم الرؤى، ويقدِّر الجهود، ويسعى إلى الاتصال؛ ولكنه يقف وقفة رجل شامخ أمام الاختلاف في الأهداف؛ لأنَّه يعلم أنَّ السكوت في هذا المقام سيأتي على الأخضر واليابس، وسيترك الجماعة في حيرة واضطراب … وفي مثل هذه الحال يجب اتخاذ الأسباب لتحمُّل أتعاب المجابهة، وتبعات المواجهة … وهذا بحقٍّ ما نفتقده في بعض القضايا المصيرية لأمتنا اليوم، جراء زرع روح الوحدة الزائفة التي شرحنا مدلولها وأبعادها من قبل.
الشعر سيفٌ في رقاب العِدا:
ومن أبرز مظاهر المواجهة، ما يفرِّق بين الإباضية والمنصفين للتراث والفكر الإباضي من جهة، والمتعصِّبين الناقمين على كلِّ ما له صلة بالإباضية، من جهة ثانية، فلا يقبل الشيخ، -شأن الحركة الإصلاحية بعامَّة-أيَّ نوع من أنواع التعصُّب المذهبيِّ، لكنَّه مع ذلك، لا يسكت عن حملات