فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٢١الإنسان الصحيح، فيبقى الإنسان في تلك اللحظة إنسانا على الفطرة التي فطره الله عليها لولا ما يلابسها بعد من العوارض والأمراض» (62).
إن أبا اليقظان يهزه الموت في خواطره إلى حد التوتر والانفعال الدافع إلى البكاء والتشنج؛ لأنه يدرك ما يفعله الموت، وما فعله به فعاش يتيما، وفقد أبناءه في أعز أيامهم؛ الواحد تلو الآخر أكثر من عشرة أفراد، إضافة إلى أن الوضع العالمي الإسلامي كان وضعا سيئا؛ لأن معظم الدول كانت تحت الاحتلال الأجنبي، ولذلك تراه إذا مات داعية أو أديب مسلم كبير إلا وملأ الدنيا ضجيجا وعويلا؛ لأن الموت يضخم أمامه الأشياء، ويهول الوقائع في حسه، ويضاعف الصور في مخيلته فلا يحتمل ذلك ويصبح عاجزا، حينذاك يروح معبرا عن تجربته محاولا توسيع أفق الحياة ولكنه لا يستطيع فتكون صرخاته المؤلمة؛ ومن ذلك هذه البكائية على محمد رشيد رضا (63). «خطب جلل، ورزء عظيم، ومصيبة فادحة، ونكبة أليمة، وداهية دهياء، لم تختص بها مصر أو الشام، ولكن أصيب بها العالم الإسلامي عامة!!
كيف لا يحزن كل فرد من أربعمائة وخمسين مليونا من المسلمين وقد سقط ذلك المنار الذي كان يرسل أشعته إلى قلب كل مسلم؟ كيف لا يبكي كل ناد إصلاحي، وكل معهد علمي، وكل مجلس شرعي، وكل منبر، وكل محراب في المشرق والمغرب وقد انهار طود من أطواده طالما اهتدى به في ظلمات المشاكل، واندكَّ عَلَمٌ من أعلامه طالما استضاء به دياجير المدلهمات، وغار بحر من أبحره طالما أمده بماء الحياة كما يمد النيل مصر والسودان في وقت أظلمت فيه السبل، والتوت طرق الحياة، وازداد لهف الإسلام إلى أمثاله من لفيح هذا العصر؟» (64).
إن الخواطر تتوالى، والعواطف تتدفق، والأحاسيس تنهمر، واللغة تتضوع في هذا النص لأن مثل هذه الخواطر صورة لذلك التوتر النفسي الذي عاشه الكاتب وهو يسمع الخبر، ويكتب عنه إلى قرائه الذين طالما قرأوا أفكار هذا "الركن" الذي خر راكعا ركوعه الأخير، فهز هذا الحادث أبا اليقظان، هزا عنيفا، فكان الحضور الكلي لحقيقة الموت، حضور الفاجعة في زمن الضيم، والاستعباد؛ فاجعة من كان أريجه يتضوع على كافة المسلمين، إنها فاجعة الذهول الكلي، وما ينبعث عنها، ولذلك يقف أبو اليقظان، وقفة تأملية عاطفية هي أقرب إلى الطابع الغنائي الحزين، فيقول عن مواكب الموت: «يمر الناس العاديون قوافل من هذه الدار إلى تلك الدار من غير أن يكون لمرورهم دوي في سمع الدنيا، بل يخرجون منها كما دخلوا، في سهو وغفلة من الناس؛ لأن آلافا من الأصوات المتتابعة ما هي إلى صوت واحد خافت لا يسمع له ركز، ولكنه مكرر!!!
ثم إذا مر من هذه إلى تلك رجل كبير ذو شخصية بارزة جمع إليه ما تفرق من آلاف غيره .. وكان لمروره دوي عظيم في سمع الدنيا يصم الآذان، لأنه صوت تجمع في خدمته آلاف الأصوات؛