مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

فالأصوات المتتابعة لمرور الأولين في خفوتها كطلقات البنادق لا تستدعي نظرا، ولا تهز شعورا إلا بمقدار دائرة ضيقة لا تتجاوز آل الراحل … » (65).

بهذا التأمل الممزوج بالعاطفة والحزن تكتسي الخاطرة بعدا إنسانيا، وموقفا من الكون والحياة في قالب نثري قريب من الشعر، إذ بواسطتها -الخاطرة - يدخل روح العصر بآلامه، وأحزانه مما يؤدي به إلى الخروج عن الأدب المألوف، فتجيء خواطره تقطر ألما، وتنساب فكرا، وتحلق خلف أسرار الحقيقة التي نعيها ونحياها؛ كل ذلك بلغة رقيقة، موحية بسيطة لا تعقيد فيها، ولا ركاكة، ولا هنات؛ لأنها لغة الوجدان في انسيابها وانزياحها الغني بكل خلجات النفس، ووساوسها حين يلفها القلق، أو يعتمرها هجير الحياة، أو يهزها الفرح؛ كل ذلك لأن الخاطرة ابنة النفس، والوجدان، والشعور، ولهذا تعتبر من أدق ألوان الأدب الذي يكشف خبايا صاحبه روحيا، ووجدانيا، إذ يبدو كما هو في الواقع دون مواربة، لأن الانفعال يسربل عقل الكاتب، ويستولي على شعوره بكل حدة في تلك اللحظات الإنسانية، مما يجعله ينفعل انفعالا إبداعيا كله خوف، وقلق، وهذه حقيقة إنسانية وبخاصة حين يشعر الإنسان بالقلق، والظلم، يقول أبو اليقظان: «مسكين أنت أيها الإسلام، ما قل أنصارك، وأكثر أخصامك، جئت لإسعاد البشرية جمعاء، فرموك بالضيق والجمود، جئت لتضع عن الإنسانية إصرها والأغلال التي كانت عليها، فقالوا إنك جئت بالسلاسل والأغلال لتقيدها بها، جئت لتؤسس لهم تشريعا حكيما يلائم كل زمان ومكان؛ ينيلهم السعادتين الدنيوية والأخروية، فقالوا إنك دين الزهد والتواكل، والتقشف والبداوة، ولا تلائم غير أمة واحدة في عصر واحد في مكان واحد.

حسبوا حسناتك سيئات، وهناتهم حسنات، سلبوك مجدك وعظمتك، وألبسوك خرقهم البالية، وأسمالهم المرقعة، ظلموك وما أنصفوك، أجحفوا بحقك، وما احترموك، فلو كانت لك أنصار لقالوا: إنك دين المدنية، دين الحضارة، ودين العمران ولكن الله وليك، وكفيلك ونصيرك» (66).

نرى أبا اليقظان يحاور الإسلام محاورة عاقل لأن المبدع يخص المعنويات، ويجسمها فتبدو حية ناطقة تكلمه، وتسمع حواره مما يعمق فكرته، ويحرك انفعال الكاتب، وبذلك تكون هذه الموضوعات ذاتية تعبر عن هوية الكاتب، وتعبر عن شعوره في صفائه ونقائه، وبخاصة حين يمتزج بموضوعه، فتكون الأطياف الإسلامية السامية ويكون البوح العاطفي الرقراق المؤثر، بلغة هي أقرب إلى لغة النجوى والأسرار، والبوح منها إلى اللغة العادية، لأن الكاتب في مثل تلك اللحظات يقتات من نفسه، ويستقي من معين العاطفة، ويغرف من منابع الخيال، ويمزج الجميع بالحقيقة الخالدة، فتكون الخاطرة ابنة النور والديجور، ووسيلة الخلود والفناء، ولكن أبا اليقظان في الخاطرة السابقة هوى إلى النثرية، والتقريرية والمباشرة.

ومهما يكن فتلك رحلة في بعض مقالات أبي اليقظان التي نراها مقالات خاطرية في عمومها ـ

١٢٢ / ٢٢١