من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١٤التشويه والتزييف التي يتعرَّض إليها الإباضية من عصر لآخر، ومن مصر لآخر … ففي رسالة بعث بها إلى زميله في الدراسة العلاَّمة «علي يحيى معمَّر» نقرأ قوله في هذا الصدد:
«لقد أكبرتُ والله غيرتكم على الحقِّ المهضوم، ومنافحتكم على التراث الإسلامي والإباضيِّ بالتبع، بكلِّ ما تملك من بديع السحر والحجة والبيان، حاشا الشعر فقد هضمت جانبه، وأضعت حقَّه، وأحسبه ينشد مع القائل قوله:
أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا.:.:. لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرِ
وله الحق أن يندب حظَّه معك، لأنَّك لم تكن ممَّن يشكو شرود رئيِّه عنه، ولا كان نزع ضرس أحبَّ إليه من قول بيت … لقد أسلس لك المسكين قياده، وألقى بين يديك زاده وعتاده، ولكنك أنت هجرته من غير ما ذنب جناه … ».
ويدعو الشيخ حمُّو فخَّار صديقه إلى أن يسلَّ سيف الشعر مرَّة ثانية، ذلك أنه الفرس المقدام في ساح الوغى، والبطل الباسل يوم الكريهة، فقال له بأدب رفيع، وتسامٍ بالنقد بديع: «إنّي أُجلّك فقيها ومؤرخا، لكنِّي إلى أدَبِك أشدُّ حنينا، وأعظمُ شوقًا، لأني كذلك عرفتُك … وما تزال أناشيدُك البليغة الرائعة زينةَ حفلاتنا …
فهل أنت مُصرٌّ حتَّى الآن على الصدود والهجران؟ لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. لا أقول: « … فكأنما قتل الناس جميعا». ولكن: «ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا».
حقَّا، إن أعظم سلاح غزونا به حزب العوام، ودفعنا به في صدورهم، وألفتنا به أنظار الجمهور إلى حزب الإصلاح حتى تمركز فشقَّ طريقه، إنما هو الأناشيد بمعانيها الرائعة، وألحانها الرائقة، وفي مقدِّمتها أناشيدك التي لها طابع خاصٌّ، وطابعها هو أنها لا تُملُّ، وأنا إذ أكرر القول في هذا وأعيد، وإن كنت أعلم أنك تضحك ملء أشداقك على هذه الرجعية التي أحملك عليها، إنما أسدي جميلا لليبيا والجزائر، وللجبل وميزاب كليهما؛ لأنَّ النهوض بقوم إلى المكارم ومعالي الأمور، قد يتاح بترنيمة في بيت شعريٍّ أكثر بكثير مما يتاح بخطبة جمعة أو درس جامع.
وإذا كان هذا فأيُّ خير أضعناه بطمس مورد عذب زلال، وكسر قيثارة طالما هدهدت فأنامت، وغرّدت فأقامت وأقعدت. وأشعلت حربا وأطفأت .. ؟»
رحم الله الأديب، فقد كان صادقًا وصريحا وواضحا، حتى مع أعزِّ أصدقائه، فلم يركن إلى التبرير والتزوير، وإنَّما وقف له بالمرصاد مذكرا وموجها، ذلك أنَّ الودَّ لا يدوم مع المداهنة، وأنَّ النقد هو بحقٍّ وقود الحضارة ومحرِّكها، فبه تنمو الأمم وترقى الحضارات، وبدونه يستمرئ الناس السكون والركون والهوان …
فهل نعي - نحن كذلك - هذه المعاني الرفيعة، أم أننا سندافع عن وحدة لا تخدمنا، وعن حوار للطرشان لا ينفعنا، بل -والله - يضرُّنا؟