مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

ولقد كان شيخنا (رحمة الله عليه) حريصًا كل الحرص على أن يجسد الاستقامة بسلوكه العملي قبل أن يدعو إليها بدروسه ومواعظه، ومن ثمَّ كانت لدروسه فعل السحر لدى تلامذته، على أنَّه لم يكن ـ مقارنة بغيره ـ يملك أسلوبًا وعظيا راقيا أو فصاحة آسرة، أو بيانًا عاليا.

ولقد عُرف الشيخ عدُّون واشتهر بهذه الاستقامة التي بوَّأته تلك المنزلة الرفيعة في المجتمع، ولا أدلَّ ولا أصدق من شهادة من عاشره وخَبَرَهُ سنين طويلة عن قرب، واحتكَّ به على بصيرة في الميادين العلمية والعملية معًا، من أمثال الشيخ أبي اليقظان، حيث يعرِّفه قائلا:

«أوتي حظًّا موفورًا من الخلق الكريم؛ من تواضع، وصبر، وثقة بالله واتِّكال عليه وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عالية، ولين عريكة، وحسن نية، وصفاء قلب، وصدق وإخلاص، وورع وزهد، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم وعزم واقتدار على إدارة ما يناط به من المهام بأمانة وجد لا يعرف كللا ولا سأمًا ولا تزعزعًا في ميدانه» (1).

ومن الأمثلة الحية الواقعية على هذه الخصوصية عند الشيخ عدُّون دعوته المستمرة إلى المحافظة على صلاة الجماعة؛ ما ينفكُّ يدعو إليها في دروسه العامة والخاصة، ولا يتردَّد في اتخاذ طرق عملية تنفيذية لمن لا يستجيب لهذه الدعوة ولا يقيم لها وزنًا. فكل تلامذته يتذكرون كيف كان يعاقب بالضرب المتخلِّفين عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، ولكن الشيخ عدون كان قبل هذا وذاك مثلاً حيًّا لهذه المحافظة، وهذا الدأب المستمر على أن يكون في الصف الأمامي دومًا في كل الصلوات. والعجيب في الأمر أنه قد يسهر حتى الثانية صباحًا، ولكنه لا يتخلَّف عن صلاة الفجر في المسجد أبدًا، وما زال منظره ـ وهو يخفُّ سريعًا في شارعهم صعدًا إلى المسجد ـ محفورًا في ذاكرتنا، كنا نراه كذلك بردائه الأبيض الزاهي ونحن صغار حيث نصادفه ذاهبين أو آتين إلى مدرسة الحياة.

ومن مظاهر استقامته، التزامُه بالسمت الإسلامي سلوكًا وأخلاقًا، فهو طالما وقف مواقف صارمة حازمة ضد بعض المنحرفين من الطلبة، وقد كان يتَّخذ لمعاقبتهم ـ إن لم ينفع معهم التذكير والنصح، ولا سيما إذا كان الانحراف كبيرة من الكبائر ـ قلت كان يتَّخذ للمعاقبة مناسبة خاصَّة يجمع فيها كلَّ الطلبة من كلِّ السنوات في قاعة المعهد الكبرى (قاعة إيروان) كما كانت تُسمَّى، ليكون الطالب المُعاقب عبرة للطلاَّب الآخرين. وعلى الرغم من أنَّ هذه المواقف كانت معدودة على الأصابع، إلاَّ أنها ـ فيما أحسب ـ كانت تترك أثرًا بالغًا في نفوس الطلبة قبل المُعاقَب نفسه.

ومن مظاهر استقامته عزَّة نفسه، وعفَّة يده، لأن الاستقامة تتجلَّى عند الفرد المؤمن في عدم انصياعه للرغبات الدنيوية المغرية، جاهًا أو نفوذًا أو مالا، وكل من درس حياة الشيخ عدُّون ولا سيما في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، يدرك كيف كان يواجه قلَّة ذات اليد بعزَّة وورع وتقوى. ويكفي أن نعلم أنه درَّس ثلاث عشرة سنة دون أن يتقاضى أجرًا على ذلك!.

فقد حدَّثني في آخر جلسة معه في بيته بالقرارة عن هذه النقطة بالذات، حيث قال: «لقد مررت في

١٣٤ / ٢٢١