مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

حياتي بمراحل صعبة مواجهًا شظف العيش (2) بصبرٍ وإيمان، ولكن الله فتح عليَّ أبواب رزقه منذ بداية الخمسينيات إلى اليوم، وإنَّي والله لأخشى أن يحاسبني الله على هذه النعم التي تترى عليَّ من كلِّ جانب».

قلت له إني أتذكر كلمتك في عرس ابنك بكير التي قلت فيها: «إني أخاف أن ألقى الله فيقول لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الأحقاف: 20)؛ وها أنت تكرر نفس التوجُّس يا شيخ، اطمئن بالا واهدأ خاطرًا، فإنَّك المثل الذي نحتذيه، استقامة سلوكٍ، ورجاحة إيمانٍ، لأنك ممن استطاع أن يجمع بين العمل الدنيوي والأخروي، ولا أحسب إلاَّ أن جزاءك عند الله سيكون جنة الفردوس بحول الله، فإنَّ ألسنة الخلق أقلام البارئ ..

ثالثًا: الأبوة الحانية:

من أهم الخصائص التي تميَّز بها الشيخ عدُّون المربي، أبوَّتُه الحانية التي أكسبته محبَّة أبنائه الطلبة، وأزعم لو أنَّك سألت المئات من الذين تخرجوا على يديه ما اختلف واحد منهم في الاعتراف بهذا الفضل، وخصيصته هذه هي التي جعلت أولئك التلاميذ يتعلَّقون به ويقدِّرون فضله، ويسبغون عليه آيات الاحترام والتبجيل، فقد كان (رحمه الله) لأبنائه الطلبة أبا حقيقيًّا بكل ما تحمل كلمة الأبوة من معان، وكنَّا حريصين على أن ندعوه «الأب الروحي»، وكان هو حريصًا على أن يخاطبنا بـ «أبنائي الأعزاء»، ولقد كان ذلك تعبيرًا عن هذه العاطفة الجياشة حيث يضفي على كلِّ أبنائه الطلبة من حنانه الفياض، ويعطف عليهم باهتمام شديد ومتابعة دائمة، سواء كانوا متمدرسين بالمعهد أو مشايخ وأساتذة في ميدان الحياة العلمية والعملية بعد تخرُّجهم.

ويتجلَّى هذا الحنو الأبوي من خلال مراسلاته التي كانت بينه وبين أبنائه الطلبة وهي تفيض عواطف ومحبة وتوجيهات ونصائح.

لقد كان دومًا الأب الحاني الذي يلجأ إليه الطلاَّب على مختلف السنوات والأعمار ليحل مشاكلهم التربوية والعائلية، متعاليا على الخلافات والنزاعات العشائرية في سبيل هدف نبيل وغاية مثلى.

ومن مظاهر هذا الارتباط الروحي بينه وبين أبنائه الطلبة حرصه على حضور أفراحهم وأعراسهم، ومناقشات أطروحاتهم، وهو حتى إذا حال بينه وبين تلك المناقشات ـ التي غالبًا ما كانت في شمال الوطن ـ حائل فإنه لم يكن ليفوِّت فرحة التهنئة برسالة أو مكالمة هاتفية، وغالبًا ما تكون هذه المحطات فرصة للتذكير بمبادئ المعهد عقيدة وسلوكًا وأخلاقَا والتأكيد على الروابط الاجتماعية والعلاقات الحميمية.

ومن مظاهر أبوته الحانية حضوره الدائم في ندوات أبنائه الطلبة التي يقيمونها هنا وهناك، فيكون ذلك الحضور دليلا على تواضعه، وعلامة على تشجيعه، ورافدًا لأولئك الأبناء ليستمروا في عطائهم العلمي، ويواصلوا مسيرتهم الثقافية قدمًا إلى الأمام.

١٣٥ / ٢٢١