مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

وما كان يغفل عند تلقِّي ما يهديه له أبناؤه من مؤلفاتهم ليصمت فلا يردُّ التحية بأحسن منها كما يغفل الكثير، بل كان يغتنم هذه الفرص ليؤكد على الرابطة الأبوية القوية بينه وبينهم، ويذكر بالقيم والمبادئ التي نشَّأهم عليها معهدهم التي ربما يغفل عنها بعض الأبناء في زحمة المناصب والمراتب الدنيوية، والشهرة الآنية سياسية كانت أم اجتماعية.

يقول في رسالة بعث بها إلى أحد أبنائه بعد مناقشة أطروحة الدكتوراه: «نهنِّئك مبتهجين مستبشرين بهذا النصر العزيز الذي حباك الله بعد جهود مصنية بذلتها في سبيل خدمة العلم، وجهاد كبير ينوء بالعصبة أولي القوة قمت بها تشريفًا وتكريمًا للعاملين المخلصين، ورفعا لشأن قومك وأمتك على مستوى العالم العربي والإسلامي، وتضحيات جسام قدَّمتها في البحث والتنقيب بدون كلل أو ملل، ولقد زادك وزادنا عزًّا وشرفًا أن تتولَّى الجامعة طبع الأطروحة والإشراف عليها ممَّا يزيد في قيمتها، ويرفع من مكانتها، وإنَّنا نترقب بكل شغف وبفارغ صبر صدورها في القريب العاجل.

رعاك الله وحفظك ومدَّ في أنفاسك وزادك عزًّا وعلما وشرفا وتوفيقًا وسدادًا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ودمت عزيزًا مشرِّفا لإخوانك الأساتذة الأوفياء، ولعزيزك الكاتب شريفي سعيد» (3).

رابعًا: الحلم والتسامح:

ويرتبط بهذه الأبوة الحانية ما يتصف به من حلم وتسامح، ومرونة وكياسة، لا تراه يحمل حقدًا، ولا يبيت على ضغينة لشخص، ولا يَزْوَرُّ عن أبنائه الطلاَّب حتى ولو عصوا أو تمرَّدوا، حرصا منه على أن يُبقِىَ شعرة معاوية بيده يجذبها متى شاء، ويرخيها كما شاء. ولقد أفلحت كياسته ومرونته هذه فجمع القلوب على حبه، وكان السبب في أن يؤوب كثيرون ممن نأوا عن الجماعة، أو شذُّوا عنها، وهذا لا يعني أبدا أنه لم يكن يتَّخذ من المهاجرين بالتمرد أو العصيان مواقف حازمة حاسمة وهو يختار لها الوقت المناسب والمكان المناسب.

وقد رأينا كيف كان يحافظ على تلك الشعرة التي تربطه بأبنائه، ولا سيما في الأوقات العصيبة والظروف المتأزمة التي تفعل فيها السياسة والأغراض الشخصية فعلها.

على أنَّ بعض المشايخ ـ الذين كانوا إلى القطيعة وقطع حبال الودِّ أسرع ـ قد ينتقدون على الشيخ عدُّون مرونته تلك، ويحسبها بعض المتسرعين من قبيل سياسة الكيل بمكيالين، والسكوت عن هذا والتنديد بذاك.

ولكنهم بعد مرور الأيام يُسَلِّمون له بما رأى ويوافقونه على ما ذهب إليه؛ لأنَّ الشيخ (رحمه الله) كان يضع مصلحة الأمة والجماعة قبل مصلحة الأفراد، ويتَّقي فتنة التفرُّق والتحزُّب، بغضِّ النظر عن بعض الأخطاء والهفوات التي ترتكب، والكمال لله وحده.

وكان لهذه السياسة الرشيدة التي يتبعها في التعامل مع بعض المتمردين والناكثين الفضل في أن يعود

١٣٦ / ٢٢١