مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

كثير منهم إلى جادة الصواب، وينضووا تحت حمى الجماعة من جديد بعد أن بان زيف التقلبات السياسية، وبهرجة الكراسي الوظيفية (4).

أتذكَّر أننا كنا أساتذة معهد الحياة ذات عشية في آخر السنة الدراسية لمتابعة المقرَّرات استعدادًا للسنة الموالية، ودار نقاش حاد بين الأساتذة حول إنقاص حصَّة بعض المواد، وكان رأي الأغلبية ومنهم الشيخ عدُّون مع إجراء ذلك التعديل الذي طال مادة أحد الأساتذة. وقال الشيخ إنَّ ساعتين لتلك المادة تكفيان ولا حاجة لأربع ساعات، فما كان من أستاذ تلك المادة أن قهقه ضاحكًا بصوت عالٍ لفت إليه أنظار كل الحاضرين، وسأله الشيخ عدُّون عمًّا يُضحكه؟ فأجاب: «إني أضحك على من يقول إنَّ ساعتين لهذه المادة تكفيان»، هنا تغيَّر وجه الشيخ عدُّون وتهدَّج صوته، وقال بتأثُّر شديد: «عوض أن تضحك عليَّ يا فلان وأنا ذو شيبة، فإنَّ الأولى بك أن تُقنعني أو تقتنع برأي الجماعة».

ووالله ما زلت أتذكر تلك اللحظة الحرجة التي أصابت الجميع بالوجوم والخرس تأثُّرًا بهذا الموقف، فما نبس أحدٌ ببنت شفة، ولا علَّق بحرف، هيبةً من الشيخ عدُّون. ورُفعت الجلسة على هذا النحو المؤثر، حتى إذا كانت عشية الغد لاستئناف الأعمال كان أول من تكلم هو ذلك الأستاذ نفسه مقدِّمًا عذره إلى الشيخ عدُّون عمَّا بدر منه أمس .. وإذا بالشيخ يجيب قائلا: «إنَّ ما مضى في جلسة أمس طويته معها، هاتوا أعمال اليوم … »!.

وكان هذا الموقف من الشيخ ممَّا زاد له في نفوسنا تعظيمًا وتبجيلاً، ورفعة وتقديرًا، ولم أدر أكان إعجابنا لحكمته أم لتسامحه، غير أني أدركت شخصيًّا سببًا آخر من أسباب محبة أبنائه له، ومهابتهم لشخصه، واعترافهم بفضله، وتقديرهم لسجاياه وأخلاقه.

خامسًا: التواضع:

عادة ما يكون التواضع صفة مرتبطة بالإخلاص، لأنَّ التكبر الذي هو مضاد للتواضع مرض نفسي، ويعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثم فإنَّه ممَّا يلفت النظر في خلال الشيخ عدُّون تواضعه المذهل أمام أبنائه وتلامذته، دون افتعال أو تكلُّف؛ لأنَّ تصرفاته معهم تنمُّ عمَّا يحمله في قلبه من الأبيض النقي الصافي، من حبٍّ وود لكل مسلم، ولأنه يصدر في ذلك عن أخلاق إسلامية عالية، وإذا كان هذا ديدنه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك مع أساتذته وزملائه كما يدلُّنا ذلك من خلال رسائله إلى الشيخين بيُّوض، وأبي اليقظان (5).

ومن تواضعه باعتباره أستاذًا مربيا أنه كان في اجتماعاته لا يرفض رأيًا، أو يتشبث بقرار إلاَّ بعد أن يستمع إلى آراء كل الحاضرين، رأينا ذلك منه وعرفناه في إدارة معهد الحياة، وقدماء التلاميذ، وجمعية التراث، وحلقة العزابة، وغيرها من المجالس. والأعجب في الأمر أنه كان لا يتمسَّك برأيه إذا رأى الأغلبيةَ لا توافقه، بل كان يقول صراحة: أنا مع الجماعة فيما ترى ولو خالفت رأيي

١٣٧ / ٢٢١