مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

الشخصي، ومن ثمَّ نفهم نقده الشديد وتوبيخه المتكرر لبعض أبنائه الطلبة والأساتذة الذين يتمسَّكون بآرائهم الشخصية، أو يستنكفون عن الخضوع لرأي الأغلبية، أو يعجبون بمواقفهم الانفرادية.

ومن مظاهر تواضعه أنه كان كثيرًا ما يعرض ما يكتب من مقالات أو رسائل على تلامذته، ويستمع بكل اهتمام لما يبدون من ملاحظات، بل إنه كثيرًا ما كلف أبناءه الطلاب للرد على بعض مراسليه مفوضا لهم الأمر في الرد بما يرون، ثقةً منه في أبنائه، وتواضعًا صار جِبِلَّة في أحنائه.

أتذكر جيدًا يوم دعاني إلى منزله بالقرارة ليضع بين يدي مخطوطة عن نشأة الحركة التعليمية بوادي ميزاب، وطلب مني أن أطلع على المخطوط وأجري عليه ما يجعله جاهزًا للطباعة. وقال لي: «اعتبر هذا المؤلِّف ـ إن جاز التعبير ـ من تأليفك، وإنِّي فوضتك أن تُصلحه على النحو الذي تراه إضافة أو حذفًا، أو تقديمًا أو تأخيرًا، وحبَّذا لو تكتب له تقديمًا». سمعت ذلك من شيخي وأستاذي وشعرت بشعورين مختلفين؛ خجلي من مسؤولية ما حُمِّلت، وإعجابي الشديد من تواضع شيخ أمام تلميذه. وزاد خجلي أكثر يوم أنهيت العمل وعرضته عليه على النحو الذي طلبه مني، فقال متهللا بعد الاطلاع عليه: «إنَّ قيمة التقديم في نظري أحسن من محتويات الكتاب نفسه، وأراك قد بالغت في تقديرك لهذا العبد الضعيف»! قلتُ: «سبحان الله لهذا التواضع المخجل!، وما كنت أحسب أنَّ من التواضع ما يُخجِل»!.

سادسًا: الحزم والانضباط:

من أهم خصائص المربي الناجح أن يكون حازمًا في أوامره، منضبطًا في أموره، وإلاَّ ساد المؤسسة التي يقودها الفوضى والتسيُّب، فنحن نرى اليوم أنَّ من أسباب ضعف المردود الثقافي، والتحصيل العلمي في مؤسسات التعليم في الجزائر، بل إنَّ التذبذب الاقتصادي والانحراف الاجتماعي يعود إلى عدم أخذ ولاة الأمور بزمام مؤسساتهم بالحزم والانضباط، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفقدون هذه الخصائص في أنفسهم.

وقد نلحظ وجود نوعين من الأساتذة في المؤسسة الواحدة، هذا ناجح وهذا فاشل، وعندما نبحث عن الأسباب نجدها في الأغلب الأعم تعود إلى وجود هذه الخصيصة أو فقدانها، أما إذا كانت الإدارة لا تتحلَّى بها فإنَّ المؤسسة غالبًا ما تكون مجالاً للاَّمبالاة، أساتذةً وطلابًا، ممَّا يؤثر سلبا على نتائجها العلمية والأخلاقية.

وفي معهد الحياة طالما لاحظنا وجود هذين النوعين من الأساتذة في وقت واحد، ممَّا يجعل الحازم المنضبط مثار الإعجاب والتقدير للطلاب، ويكون الثاني مثار السخرية والنكتة، ولولا أن بعض هؤلاء قد أفضَوا إلى ربهم لضربت لذلك الأمثال، وهي على كلِّ حال محفورة في ذاكرتنا نحن الطلبة إلى يوم الناس هذا.

١٣٨ / ٢٢١