مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

وكان شيخنا عدُّون يستحوذ على إعجابنا لاتصافه بالحزم والانضباط.

فهو في الفصل عند بداية الحصة لا يتأخر دقيقة عن موعد الدرس، كما كان لا يتخلَّف عن دروسه إلاَّ لضرورة قصوى، وهو قلَّما يفعل ذلك. وكنَّا نعجب كيف يحضر إلى المعهد للتدريس وقد عاد من سفره توًّا! ودع عنك انضباطه في التوقيت بداية ونهاية، فهو أول من يحضر إلى المعهد وآخر من يغادره. وما كان من عادته أن يتخلَّف عن درس من أجل سفر أو حضور عرس هنا أو هناك، كما يفعل بعضهم، وحرصه هذا على قدسية التدريس هو الذي جعله لا يسمح للطلبة أن يُقيموا أنشطتهم الثقافية إلاَّ خارج أوقات الدراسة، فإنَّ الجمعيات الأدبية، ما كانت تقام إلاَّ ليلا، والأنشطة الرياضية والكشفية إلاَّ أيام العطلة الأسبوعية.

وهذه الخصيصة فيما أحسب، من أهم ما أكسب المعهد في ذلك العهد الاحترام والتقدير في الأوساط الاجتماعية، بل وأعان المؤسسة على أن تحقق النتائج العلمية والثقافية والأخلاقية الباهرة، وما زلنا نحن المتخرِّجين في الجامعات نحمل الامتنان لتلك الجمعيات، ونتذكَّر أيامها باعتزاز وفخر.

سابعًا: الدعابة والظرف:

من سمات الأستاذ المربي أن يكون اجتماعيًّا، متفتِّحا على الآخر، ميَّالاً للتظرُّف والتفكُّه والمباسطة، وتلك صفات كان شيخنا متَّصفًا بها، معروفًا بالارتياح لها، والحقَّ إنَّ أغلب مشايخنا من ذلك الجيل النقي الصفي كانوا كذلك، لا ترى في مجالسهم إلاَّ أسارير متهلِّلة، ووجوهًا مشرقة، ولا تسمع إلاَّ نكتا أدبية طريفة، أو مداعبات حميمة أنيسة، يحب بعضهم بعضًا، ويخفضون جوانحهم للأخوة الإسلامية التي تربط علاقاتهم، يتفقَّدون أُسرهم، ويزورون مرضاهم.

ومن منَّا لا يتذكر مجالس الشيخ بيُّوض والشيخ أبي اليقظان ولقمان وتاعموت عيسى والشيخ عبد الرحمن بأدبها الرفيع وأسلوبها العالي؟ ومن منَّا ينسى مجالس الظرف والفكاهة مع الشيخ القرادي والشيخ حمو فخار والشيخ بوحجام عيسى والشيخ محمد علي دبوز وإخوان الصفا من معلمين في دائرة مدرسة الحياة ومعهد الحياة؟.

وقد عرفنا شيخنا في مجالسه كيف كان يمازح بعض أبنائه الطلبة الذين عُرفوا بالمفاكهة والدعابة وخفَّة الروح، من أمثال المرحوم تاعموت إبراهيم، وطيِّب الذِّكر باجو صالح، فقد كانت تلك الممازحات تُضفي على الجلسات الجدية غلالة لطيفة من الانبساط، وتلقي على المجلس رذاذًا لطيفًا من الألفة والمحبة.

وما زلنا نتذكر كيف كان أستاذنا يعقد جلسات خاصة ليروِّح عن نفسه مع من يأنس فيهم هذه الروح، وربما عقد لذلك رحلة خلوية في مراح صحراوي أو روضة بهيجة بين أحضان الطبيعة. ومن منَّا لا يتذكر جلساته مع المرحوم أحمد فرصوص، ومداعبته للحاج محمد الخياط، وارتياحه لمطارحات الدكتور صالح الخرفي (رحمهم الله جميعًا).

وهكذا فإنَّه عندما يكون الشخص اجتماعيًّا متوازنا ترى من سماته انطلاقة أساريره، وبشاشة

١٣٩ / ٢٢١