من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١٥الأيام كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الصعب والعميق …
التمرُّس بالآفات …
ومن أشدِّ ما كان الشيخ يخشاه، أن ينشأ الشباب ضعافا، لا يقدرون على شيء، وهم كلٌّ على مولاهم، أينما يُوجَّهون لا يأتون بخير، ولطالما ردَّد قول الشاعر في خطبه ومحاضراته، وهو يصف هذا النوع من الشباب:
خَطَرَاتُ النَّسِيمِ تُدمِي خَدَّيْهِ.:.:. وَلمسُ الحَرِيرِ يُدمِي بَنَانَه
فبات هذا البيت من شواهده، ومن أكثرها ورودا في مؤلفاته؛ وإنه لدليل على كرهه للدعة والرفاهية والسكون، وحبه للبطولة والإقدام ومقارعة السِّنان …
وهو مع هذا يعتذر إلى هؤلاء -الشباب -بأنه ينقُدهم حتى لا يتحولوا إلى ملهاة للهجَّائين، وعرضة للمتندِّرين …
وفي رسالة بعثها الشيخ إلى طلبة العلم، يقول فيها: «ما أحوج شبابَنا إلى التمرس بالآفات، حتى يسلموا في زمنهم من العثرات، والنكسات … ولن يسلموا - ورب العرش العظيم- من الأزمات، ما لم يصطحبوا في حلِّهم وترحالهم زاد التقوى، ويتدثَّروا ويتمنطقوا بتاريخ الرسل والأنبياء، والصحابة وأفذاذ العظماء والنبغاء، من كلِّ جنس في كلِّ حين.
أولئِكَ الذِينَ مِن نَارِهِم.:.:. نَأتِي بِالقَبَسِ لَدَى الغَلَس
وَعَلَى نُورِهِم نَجِد الهُدَى.:.:. فَلاَ تَخمِين وَلاَ حَدَس
فإن فعل خلائفنا ما يؤمرون به، هتفت الدنيا بأجمعها معهم:
زَعَمَ الفَرزْدَقُ أَن سَيَقتُلُ مَربَعًا.:.:. أَبشِرْ بِطُولِ سَلامَةٍ يَا مَرْبَعُ
وإن لم يفعلوا، غدوا -لا قدّر الله-أضحوكة زمنهم بين معاصريهم، وسخرية وألعوبةً بين لِداتهم وأقرانهم، ومضغة في أفواه منافسيهم من شانئيهم. وعندها -والدهر ليس يصاحب من لم يقرأ العواقب - يحقُّ فيهم قول أبي فراس:
سيذكُرُني قَومِي إذَا جَدّ جدّهُمُ.:.:. وَفي الَّليلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفتَقَدُ البَدْرُ
فَلَو سَدَّ غَيرِي مَا سَدَدْتُ اكْتَفَوا بِهِ.:.:. وَمَا كَان يَغْلُو التِّبْرُ لَو نَفَقَ الصّفْرُ
وَنَحنُ أُنَاسٌ لاَ تَوَسُّطَ بَيْنَنَا.:.:. لَنَا الصَّدْرُ دُونَ العَالمَينَ أَوِ القَبْرُ»
فما أعلى هذه الهمَّة، وما أعظم صاحبها!! وحريٌّ بشبابنا اليوم أن يقتفوا آثارها، ويصبروا في تحصيلها، ويدافعوا عن حصنها، فالخير كلُّ الخير في شباب قويٍّ، تخذ العلم سلاحا، والتقوى زادا، والجهاد في سبيل الله منهجا، والحبَّ في الله عقيدة، والبغض لله وسيلة … أولئك مستقبل الأمَّة وأملها، وهم عينها وفؤادها، فأولى بها ثم أولى أن تعمل في تكوينهم وتدريبهم ليوم الكريهة، وسداد الثغر …
محنة علي يحيى معمَّر: