مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ١٦

في سنة 1393هـ/1973م أصاب الشيخ علي يحيى معمَّر عَنَتٌ شديد، وابتلاه الله بمحن عصيبة، فكان مثالا للصبر، وقدوة في الثبات على المبادئ … وبهذه المناسبة أرسل إليه الشيخ حمُّو فخَّار رسالة يواسيه فيها، ويوجِّهه إلى ما يراه صلاحا في سبيل الدعوة، وإنها بحقٍّ لرسالة تاريخية، وقطعة أدبية في أدب الدعوة إلى الله، وفي فنِّ الجهاد والاجتهاد في سبيل الله، ومما جاء فيها قوله: «أخي، لقد أسِفت لِما أصابك بعدنا من تعب وإرهاق، جعله الله في ميزان الحسنات. ورثيت لحال شعرك ومأساته التي هي مأساة لنا، ولو كنتُك لتفجرت باكيا عليه نادبا في إلياذة أين منها إلياذة هوميروس، ونُحتُ عليه نواح الخنساء على صخر:

يُذكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا.:.:. وَأذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ

لكنَّك آثرت التجلد للشامتين، فرحت تتمثَّل بقول الشريف الرضي ـ فيما بقي بذهني ـ للمطوقة:

لقد كُنتُ أُولِي مِنكَ بِالدَّمعِ مُقلَةً.:.:. وَلَكِنَّ دَمعِي فيِ الحَوَادِثِ غَالَي

فهنيئا لك المنحة الغالية، الرضا بالمقدور، ولْنَلْوِ عنان الأمل في شعرك إلى نثرك الفني، ففيه كلُّ الغُنية، سائلين المولى عز وجل أن يبارك في ذلك القلم السيال، حتى يترك للأجيال ما ينقع الغُلة من بليغ العظة والسحر الحلال.

غير أني هذه المرة أحب أن ألفت نظرك إلى استعمال لسانك بالإضافة إلى يراعك، وأعني بذلك العملَ على تكوين حلقة دروس لثلة من الطلبة تطبعها بطابعك الإسلامي الحنيف، تستقل معهم في زاوية مسجد، أو منزل ناءٍ، أو غار كغار مجماج أو غار أبي عبيدة، فيتفرَّقون على القطر الليبي وفي قرى الجبل، ثم على سائر البلاد الإسلامية، مثلما تفرَّق طلبة الشيخ بيوض الذين أنت واحد منهم في الحاضر، وتفرق تلاميذ أبي عبيدة في الغابر. وقد تكون أو أكون من سلالة أولئك الفحول الأمجاد.

هكذا تنشأ الخلائف وتشاد النهضات، فلا بد من مريدين يا أخي علي، يتسلَّمون الراية بجدارة وحماس، ولن يعجزك تكوين باقة تنتخبها من سائر قرى الجبل، كخطوة أولى، تضمن لهم جماعةٌ خيرية السكنَ بطرابلس، فتُفرِغ في روعهم أنهم أبناء أولئك الشراة، وأنهم المؤتَمنون بعدنا على التراث، وأنَّ الإسلام وشيك العودة إلى الظهور، فليكن إبراقه على أيديهم الكريمة، وازدهاره على منارتهم السامقة، منارة المذهب الإباضي الراسخ الشامخ، على مرِّ الأجيال والقرون، أين منه أبو الهول الذي خلَّده شوقي بقوله:

أَبَا الهَولِ طَالَ عَليكَ العَصْرُ.:.:. وَبَلَغتَ في الأَرْضِ أَقْصَى العُمُرْ

إِلاَمَ رُكُوبُكَ مَتْنَ الرِّمَالِ.:.:. لِطَيِّ الأَصِيلِ وَجَوْبِ السَّحَرْ

تُسَافِرُ مُنتَقِلاً في القُرُونِ.:.:. فَأَيَّانَ تُلقِي غُبَارَ السَّفَرْ

قل لأهل مصرك وعصرك: إنَّ قرية «بريان» لما عقدت العزم على أن تحيى، آل قادتها أن يهَبُوا

١٦ / ٢٢١