آخر ما قاله الشيخ عدون
الجزء ١ · صفحة ١٥٠نحن مسرون جدّا بالنتيجة التي حقّقها المعهد في شهادة البكالوريا هذا العام، إذ بلغت نسبة النجاح 64 % وتحصّل على المرتبة الأولى على مستوى ثانويات الولاية، وهي أوّل نتيجة يحصل عليها منذ تأسيسه، وإذا كان هذا النجاح يخصّ التلاميذ النجباء والأذكياء، فإنّ المعهد في استطاعته إنجاح كلّ تلاميذه من ناحية الروح والدين والأخلاق والتربية، وهذا هو الأساس والأصل في رسالة المعهد، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بإصلاح أنفسنا أوّلا، ثمّ إصلاح تلاميذنا ثانيا، ولتكن لنا عزيمة صادقة وإرادة قويّة وتضحية خالصة في كلّ مسلك وسبيل، بالنفس والمال والأفكار.
إنّكم أيّها الأساتذة جئتم لتدرّسوا لوجه الله لا لأجل المال، كما كان الحال بالنسبة لمشايخنا الذين تقدّموا، إذلم يكن أحدهم يأخذ راتبا، ومن بينهم الشيخ الحاج عمر بن يحيى، الذي كان يلقي حوالي عشرين درسا في اليوم ولا يأخذ أجرًا، وهناك من يوفّر له شيئا من ضروراته وحاجياته، ولذلك بارك الله في علمه فخلف رجالات الأمَّة الأفذاذ الشيخ بيّوض والشيخ أبا اليقظان وغيرهم.
والرجال الذين أسّسوا معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى لم يكن لهم علم كثير، لكن كان لهم إخلاص كبير وإيمان راسخ، وما معهد الحياة إلاّ امتداد لمعهد الحاج عمر.
ولقد أدركت الشيخ الحاج عمر سنة واحدة، وكان عمله تعليميا واجتماعيا، وحّد البلدة وأصلح ما فيها من فساد وذابت العشائرية والجهوية، وكانت هناك أفكار مغرضة مفرّقة قُضِيَ عليها بفضل إخلاص المشايخ.
وإنّنا في هذا الوقت لفي نعمة كبرى، ولا يدرك عظمتها إلاّ المخضرم الذي عاش الزمانين مثلي، وإنّ الفرق بين العهدين لكبير.
أرونا الفخر في الدنيا والآخرة، وليكن عزّنا الفخر في الآخرة وهذه غاية المنى، ولنستمرّ في هذه الطريق ولا نرتب، ولنزد لله شكرا وذكرا، ولنجاهد أنفسنا ونحملها على ما تكره، ولنسلّط عليها قوّة العقل الفطريّ الرشيد الذي يقودها إلى الطريق القويم.
وإنهَّ لمن النعم الكبرى أن نعمل في أمَّة مثل هذه، أمَّة خيِّرة مطواعة وأنا منذ سنة 1939م أجول لجمع الاشتراكات والتبرّعات للجمعية، وإنّني أشعر والحمد لله بالزيادة عاما فعاما، رغم اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، ولكن تضحيات المحسنين كانت الأقوى والأغلب، ولقد تخلّفت عن الجولة هذا العام بسبب المرض والعجز، وكنت أخشى أن تتأخّر الجولة أو يبخل الناس بعدم وجودي، ولكن والحمد لله لم يزدد الناس إلاّ نشاطا وتضحية؛ لأنّهم إنّما ينفقون في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا من أجل فلان أو فلان.
ومشروع الحياة العظيم الذي يشمل المعهد والداخلية مشروع لا تقوى عليه إلاّ الدول، ولكن الأمّة تقوم به، وسيقوم بإذن الله وبفضل سخاء المحسنين من الأمّة، وإنها لنعمة كبرى ولنقابلها نحن الأساتذة بشكر أعظم، بالتضحية ببعض أوقاتنا، والجنديّ المثاليّ هو الذي يقوم بواجبه أحسن قيام في الميدان.