مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ١٧

أبناءهم للعلم، فكان بُودي، وأوراغ، ومحمد علي، وتربح، وبرياني، وصفوف رديفة من بعدهم، روح القرية وريحانه، بحيث لم يبق بها أثر للجمود ولا للأمية، فليكونوا كذلك أو لا يكونوا.

ثم قل لعقلك وفكرك، أو لقلمك ولسانك، إنَّ أحدكما للدعوة بمثابة صحف أبي اليقظان، والآخر لتكوين الدعاة بمثابة أفلح، فكن كذلك أو لا تكن … »

ولقد كان الشيخ - رحمه الله - واعيًا أشدَّ الوعي بما يترتَّب عن هذا الاختيار من معاناة، ومن محن وإحن، لكن يفضل هذه المعاناة وتلك المحن على الاستكانة والخضوع، ويؤثرها على الذلة والركوع، ولذا راح يذكِّر علي معمر بهذا المعنى، في آخر الرسالة قائلا:

«أخي علي، إننا ذاهبون ولا محالة [وقد مات الاثنان اليوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد]، ومن يدري لعلنا وشيكي الزوال، فلنحمل أثقالا مع أثقالنا اليوم أمراضا ومطاردات ومضايقات، حتى ننجوَ منها غدًا، وإلاّ بُؤْنا لا قدر الله بإثم المقصِّرين، وكلٌّ يحاسبه الله على قدر ما أولاه من نعم، وحباه من عطاياه اللدنية» …

وإلى كلِّ واحد منَّا يساق الحديث؛ فلنسأل أنفسنا، ولنصدق أمَّتنا، ولنتَّق في ذلك ربَّنا: هل نحن اليوم ممن يحمل الأثقال، ويُجهد النفس على الصبر وتحمُّل شديد المحال، عسانا - بعد أن نغادر دنيانا كما غادرها المحتفى به- ننالُ المغفرة والقبول والرضوان، من الملك العزيز الديان؟

فاللهمَّ لا تكتبنا في زمرة المخلَّفين والمتخلِّفين، واكتبنا مع الشهداء والمجاهدين … يا ربَّ العالمين.

خاتمة:

ما أضرَّ العالم الإسلاميِّ اليوم إلاَّ جهله لعدوِّه، أمَّا اليهود والأمريكان فأعلنوها صراحة: معنا أو ضدنا؛ فصنعوا عدوَّهم بإتقان، وعرفوه فحاربوه بغير توان …

وما أضرَّ الميزابيين اليوم إلاَّ اختلاط المواقف والأهداف، وتخاذل الكثير منهم عن قول الحقِّ، وخوفهم من التبعات، بحثا عن الدعة والراحة …

وكذلك يقال عن باقي الجزائريين، ممن استمرأ النفاق والمداهنة، وآثر المصلحة الخاصة والآنية، على المصلحة العامَّة والمتأنية.

فالقويُّ هو الذي يستطيع أن يقول: لا … وهو الذي يدافع عن حقوقه بجرأة وشجاعة وصبر، حتى وإن كلَّفه ذلك الكثير من التعب والعنت، أو أرداه مريضا في الماريستان، وألقى به وراء القضبان … وقد يسبب في موته في بعض الحالات؛ غير أنه لا يبيع عزَّته وعزَّة وطنه، ولا يساوم في كرامته وكرامة دينه …

ولننصت جميعا إلى الشهيد الفقيد، عمرو خليفة النامي، في قصيدته العصماء: أمَّاه … ومن خلاله إلى إمام الأدباء وواسطة عقد المجاهدين، الشيخ حمُّو فخَّار رحمه الله ..

لننصت إليه وهو يقول في مطلع النشيد:

١٧ / ٢٢١