الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين
الجزء ١ · صفحة ١٦١فتآكلوا بداء التحاسد والتكاثر، وقضوا على الأمة في أتون التناحر.
في أحضان هذا المعهد لم يكن الشيخ رأسا في الإدارة يرقب المسيرة على الأوراق، مَحَاضرَ وتقارير تتلى عليه أو تملى، بل كان الأستاذ المربي، والمراقب الموجه، وفوق ذلك المديرَ المسؤول، يرعى كل صغيرة وكبيرة من شؤون الطلبة والمعلمين، رعاية الأم الحنون لفلذات أكبادها، يرقب مسارهم على مدار السنين، يسبق إليه الفرح والحزن الذي أصابهم، ويناله منه أضعاف ما نالهم.
في ظل رعاية الشيخ عدُّون مضت من عمر المعهد أكثر من ثمانين عاما، في مسيرة مباركة، أثمرت ثمارا طيبة في تنوير الأمة، وبناء الأجيال، ولا يزال -بحمد الله- حصنا شامخا في سماء العلم والثقافة الأصيلة، يمدّ الجزائر وأمة الإسلام بأجيال من الهداة والدعاة الراشدين المرشدين.
ظل الشيخ عدُّون مشرفا مباشرا على أنشطة المعهد التعليمية من برامج ومقررات، وساعيا لتطوير مناهجه وتحديث أنظمته في الامتحانات وتحديد مستويات الدراسة، لم يأل جهدا في مده بكل جديد مفيد مما عرفته المدارس والمعاهد الحديثة في ربوع العالم العربي. إذ كان يحث الأساتذة وخريجي المعهد الذين توزعوا في بلدان شتى، على إمداده بكل نافع من هذه البرامج والكتب. ونجحت جهوده فعرف المعهد تطورا متسارعا، حتى عده الباحث السوري بسام العسلي تجربة رائدة في العالم العربي، يحق للعرب أن يفخروا بها أمام العالم كما يفخر الروس بتجربة المربي الشهير بافلوف.
وكان لحصة الأخلاق نصيب الأسد في منهج المعهد، ولا يزال يحمل شعاره الخالد: «الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة والوطن قبل مصلحة الفرد».
وتولى الشيخ عدُّون مهمة البناء الخلقي في دروس منتظمة للطلبة الجدد، توطئة لهم للانخراط في منظومة المعهد المتميزة، حتى يتخرجوا متميزين وممتازين في نتائج الأخلاق، قبل ما يسطرون من معارف في الأوراق. وقد يهون الرسوب في الامتحان، ولا يباح أن يرسب في السلوك أي إنسان، وإلا فهو الوبال والهمّ والهوان.
وظل هذا الدرس آخر ما تمسك به الشيخ حتى حال دونه ثقل السنين، فأسند الأمر لخلَف أمين، والموكب سائر بتوفيق رب العالمين.
وما ميز نظام المعهد قيامه على الربط بين الجانبين النظري والعملي في مجال التربية، إذ لا يكتفي بمنح الطالب معارف مجردة في دروس رتيبة، بل يشفعها بحصص تطبيقية في ما عرف باسم "الجمعيات الأدبية" كان الشيخ عدُّون قد ابتكرها، واتخذها مضمارا لاكتشاف المواهب وتشجيعها، وتفجير طاقات الشباب في ميادين الخطابة والكتابة، والشعر والأدب. فضلا عن التطبيق الأساسي الذي يرونه في أساتذتهم، استقامة والتزاما بتعاليم الإسلام، فيسلكون نهجهم ويتأسون بهم، ويكون لكلمتهم أثرها البالغ وصداها الخالد في أنفسهم، إذ عاينوها واقعا ملموسا، لا دعوى جوفاء، مما يردده بعض المربين الفاشلين، فيتعللون معتذرين: «خذوا علمي ولا تعملوا